"كانتا تحت عبدين من عبادنا فخانتاهما".. حقيقة الخيانة في قصة "والغة" و "والهة"

الأحد، 28 أبريل 2019 01:57 م
هذه حقيقة الخيانة في قصة


الخيانة كما هو معلوم من أشد أنواع الغدر ونقض العهد، فضلاً عن كون الخيانة من سمات النفاق كما قرر ذلك الحديث النبوي الشريف: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان".

ومعلوم أيضًا أن أشد الناس فضيحة يوم القيامة هم الخائنون، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان".

 والمتأمل في قصة امرأتي نوح ولوط يجد أنها كانتا مثالاً للمرأة الإمعة، فقد فضلتا اتباع ما كان عليه قومهما على أن تستجيبا لدعوة النبوة .

 "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) سورة التحريم.

 هكذا جاءت آيات الله واضحة بينة في شرح قصة أربع نساء، ضرب الله مثلا في اثنين منهن على الخيانة، والأخريين في العفة والطهارة والإيمان بالله.

 إلا أن البعض يظن في لفظة الخيانة التي ذكر بها الله امرأة نوح وامرأة لوط، بأنها كانت خيانة حسية للزوج، وهذا لم يحدث أن خانت زوجة نبي فراشه أبدا.

 وفسر ابن عباس، قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا)، وقال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تطلع على سرّ نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، فكان ذلك من أمرها؛ وأما امرأة لوط فكانت إذا ضاف لوطًا أحد خبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا). .


واغلة امرأة نوح

وذكر المفسرون أن امرأة نبي الله نوح كانت تدعي واغلة، وقيل والغة، وكما هو واضح من الآيات فإنها لم تكن سنداً لزوجها في دعوته ومهمته التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها لهداية قومه وإخراجهم مما هم فيه من ضلال وضلالة فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره فكذبوه، ولم يقبلوا منه، فأنذرهم من عذاب الله تعالى .

 في مثل هذه الأجواء كانت امرأة نوح عبئاً ثقيلاً عليه . . وكانت أشبه بالخنجر أو الشوكة في ظهره، تؤلمه أينما حل وارتحل .

 وقد أوصلها إعراضها عن الحق حداً جعلها تشيع عن زوجها نوح عليه السلام أنه مجنون . وذكر القرطبي في تفسيره أن والغة قالت لنبي الله نوح ذات مرة: يا نوح أما ينصرك ربك؟ فقال لها: نعم، فقالت باستهزاء: فمتى؟ قال: إذا فار التنور .



فخرجت تقول لقومها: يا قوم، والله إنه لمجنون، يزعم أنه لا ينصره ربه إلا أن يفور هذا التنور، ولم تكتف بذلك بل وصل بها الأمر أنه إذا آمن أحد بدعوته سارعت إلى قومها وأخبرتهم ليفتنوه عن دينه .

 وليس المراد بقوله فخانتاهما: في فاحشة بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء .

 قال سفيان الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قرم: سمعت ابن عباس يقول في هذه الآية . . (فخانتاهما) قال ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون . . وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه . وقال العوفي عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تطلع على سر نوح فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت بذلك الجبابرة من قوم نوح به .

والهة امرأة لوط


وأما امرأة لوط فكانت إذا استضاف لوط أحداً أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء .

وقصة امرأة سيدنا لوط عليه السلام هي قصة مؤثرة، إذ أنها اشترت الضلالة بالهدى وحق عليها العذاب مع الذين نزل عليهم من قوم لوط فلقد أفشت "والهه" سر زوجها لوط عليه السلام، وكان لسيدنا لوط من والـهه ابنتان هما "ريثا" ، "ذغرتا".

وقد اتخذ لـوط عليه السلام أرض " سدوم " وطنًا للهو وكان أهلها أسوأ الناس خلقاً يأتون الفاحشة ما سبقهم بها أحد من البشر كانوا يأتون الذكران ويذرون الإناث علانية وجهارًا، ويتحللون من لباسهم ويبدون عوراتهم ويتفاخرون بهذا، فكانوا أول نادي عراة في تاريخ الإنسانية.

حاول سيدنا لوط عليه السلام هدايتهم ونصحهم لكنهم لم يستمعوا له، وبعد محاولات عديدة من نبي الله لهدايتهم أرسل الله جلا في علاه ملائكته "جبريل " و " ميكائيل" و "اسرافيل" إلي لـوط فأتي الملائكة إلي ابنة لوط وهي تستقي المياه من النهر وكانوا في شكل رجال فقالو لها أين أبتك؟ فقالت لهم سوف أتيه لكم ولا تدخلوا. خوفاً عليهم من قومها؟.

وذهبت إلى لوط وقالت له أرى رجالاً لم أر في حسنهم قط وهم يطلبونك يا أبتي، وكان قوم لــوط قد نهوه أن يستضيف رجال في بيته، فجاء لوط بالرجال إلى بيته ولم يعلم أحد إلا أهل البيت.

فخرجت والـهه إلي قومه وقالت لهم هناك رجال في منزل لوط لم أر في جمالهم قط، فذهب القوم إلى لوط مسرعين إلى بيته ويريدون اقتحام المنزل، ولوط عليه السلام من وراء الباب يدفعهم وينصحهم ويذكرهم بنسائهم وحتى ذالك الوقت لم يكن يعرف أن من في بيته ملائكة، واستغاث بربه فأخبرته الملائكة أن الله سوف ينزل العذاب على قومه، وأنه يجب عليه أن يرحل من الدار هو و أبنائه ولا يلتفت أحد منهم ورائه، فخرجوا من الدار وأنزل الله على قومه العذاب فأخذ جبريل يقتلع المنازل ويرفعها إلى أعلى ثم يقلبها ويجعل عليها سافلها.

لكن التفت "والهه" ورائها عندما سمعت أصوات قومها وهم يهلكون فنزل عليها الصخر من السماء كما كان ينزل على قومها وهلكت كما هلك قومها وكانت من الضالين.

 دلالات القصة


من القصة يمكن أن نستخلص العديد من العبر منها:

 - أن الله سبحانه وتعالى قد يبتلي المؤمن بزوجة والعكس صحيح تحاول أن تضغط عليه لتبعده عن جادة الإيمان؛ لذلك فإن الثبات على الحق وقوة العزيمة من أقوى الأسلحة الناجعة لمواجهة مثل هذا الموقف .


- أن للمرأة دورًا مؤثرًا في مسيرة زوجها الدعوية؛ لذلك فإن ضعف قناعتها بأمر دعوته محزن لقلبه، موهن له كثيراً، فواغلة على سبيل المثال بدلاً من أن تشجع وترغب قومها بدعوة زوجها نوح عليه السلام وتكافح وتنافح عنه وعن دعوته إذا دعت الضرورة، أضحت بتقليدها الأعمى أداة للتنفير والتشويه .


-أن التفاضل بين الناس لا يقوم على أساس النسب والمستوى الاجتماعي، بل يقوم على أساس الدين والعقيدة، وقصة نوح مع زوجه وابنه وقومه خير شاهد على ذلك .


- من المهم أن يختار الرجل الزوجة ذات الدين كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي يقول فيه: فاظفر بذات الدين تربت يداك، فالزوجة الصالحة هي صمام الأمان الذي يحول دون جنوح الأبناء وسقوطهم في مهاوي المعاصي .

 - أن دور المرأة لا يقتصر على العناية بالمنزل والزوج والأولاد، بل لها دور دعوي مهم خارج بيتها، فهي عامل تأثير إما إيجابياً أو سلبياً في المحيطين بها .

 - أن أهم سبب دفع زوجة نوح وعوام قومها للابتعاد عن الحق هو تأثرهم بالطواغيت وأكابر القوم وحكامهم ومجرميهم، الذين سماهم الله تعالى في كتابه العزيز بالملأ، فهؤلاء لم يتورعوا عن استخدام الأساليب المغرية الماكرة، كما وصفهم القرآن الكريم . . قال تعالى ومكروا مكراً كُباراً للتأثير في الطغمة العريضة من الناس معتمدين على قوى ثلاث: السلطة والمال والقوة الإعلامية والدعائية .


اضافة تعليق