السيدة مريم البتول.. أيقونة الاصطفاء الصديقة العابدة الزاهدة

الأحد، 28 أبريل 2019 09:24 م
مدينة الناصرة
في الناصرة ولدت السيدة مريم وولدت ابنها عيسى عليهما السلام

يقول الله عز وجل: (اِنَّ اللهَ اصْطَفىٰٓ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرٰهِيمَ وَآلَ عِمْرٰنَ عَلَى الْعٰلَمِينَ﴾ (آل عمران:33).
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ"

وقد لدت سيدتنا مريم عليها السلام في مدينة الناصرة الواقعة شمال فلسطين، وقد كانت أمها حنة بنت فاقوذا زوجة عمران عاقراً، فلم تلد في حياتها أبداً إلى أن كبرت في السنّ، وعندما كانت تستظلّ تحت شجرة رأت طائراً يُطعم صغيراً له، فشعرت بعاطفة كبيرة، ودعت الله بأن يرزقها بغلام، ونذرت بأن تتصدّق به ليكون خادماً للبيت المقدس، قال تعالى: (إذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم)[آل عمران:35]، فاستجاب عزّ وجل لدعائها، لكنه وهبها فتاة لا ولداً كما أرادت، ولا يمكن للفتاة أن تقوم بخدمة المسجد كما الرجل، إلا أنّ الله قبِل منها النذر، وبارك فيه.

وأما نسبها فهي مريم بنت عمران بن ماثان بن عازار بن أبي يوذ بن يوزن بن زربابل بن ساليان بن يوحنا بن أوشيا بن أمون بن منشكن بن حازقا بن أخاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن سافط بن ايشا بن راجعيم بن سليمان بن داود – عليهما السلام- بن ايشي بن عوبد بن سلمون بن ياعز بن نحشون بن عمياد بن رام بن حصروم بن فارص بن يهوذا بن يعقوب – عليه السلام - بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليهما السلام.

نشأة السيدة مريم

وكان أبو السيدة مريم عليها السلام صاحب صلاة في بني إسرائيل، وأمها حَنَّة بنت فاقود من العابدات، وزوج خالتها زكريا – عليه السلام – نبي ذلك الزمان.

عاش أبواها في بيئة ساد فيها الظلم والاضطراب، وكانت الحياة التي يعيشها بنو إسرائيل بائسة، فقد حرفوا دينهم وأفسدوا عقيدتهم، وعاثوا في الأرض فسادا، وأضحى الواحد منهم لا يأمن على نفسه غدر الآخر، وفي وسط هذه الحُلكة والدُلجة كان يعيش عمران وزوجه حَنّة، يعبدان الله وحده ولا يشركان به شيئًا، وكان الزمان يمر بهما دون ولد يؤنسهما.

وفى يوم من الأيام جلست حنة بين ظلال الأشجار، فرأت عصفورة تطعم صغيرها، فتحركت بداخلها غريزة الأمومة، فدعت الله أن يرزقها ولدًا حتى تنذره لخدمة بيت المقدس. فاستجاب الله دعاءها وابتهالها إليه فحملت بمريم .
 توفي والد السيدة مريم وهي في بطن أمّها، أي قبل ولادتها، وكانت أمها امرأة كبيرة لا تقدر على تربيتها وحدها، فقام سيدنا زكريا، وهو زوج خالتها بإيوائها، فراح يُعلمها الأخلاق الحسنة، وعبادة الله، فنشأت عفيفة، طاهرة، مُحبة لله عز وجل، قال تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ).

 وكبرت أم عيسى مريم - عليهما السلام- وبيتها في بيت المقدس، وخلوتها فيه، ويلطف الله بها فيأتيها برزقها من الطعام من الغيب وكلما زارها نبي الله زكريا – عليه السلام –، وجد عندها رزقًا، كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وهو الذي يقوم بكفالتها فمن أين يأتيها هذا وهو لم يأت به؟! ﴿قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ استعظم – عليه السلام- ذلك المقام في حقها لضعفها وغرارتها، فتجيبه: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ الله اِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَّشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ فأنا ضئيلة وضعيفة ولا علم لي بمقامات الرجال العظماء وأحوالهم، ولم أبلغ ذلك المقام بكبير عمل عملته... فلا أملك إلا حبي له، فتفضل علي ربي وحبيبي بذلك ورزقني من حيث لم أحتسب.
وهكذا نشأت أم عيسى مريم العفيفة - عليها السلام- فتاة عابدة في خلوة بيت المقدس، تحيي ليلها بالذكر والعبادة والصلاة وتصوم نهارها، وتعين الفقراء والمحتاجين، وتعيش لآخرتها، وتقضي أيامها حبًا لربها وشوقًا إلى لقائه ،جل في علاه.

 الله يصطفي مريم مرتين
 يقول الله -تعالى وتقدس-: ﴿وَاِذْ قَالَتِ الْـمَلٰٓائِكَةُ يٰمَرْيَمُ اِنَّ اللهَ اصْطَفٰكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفٰكِ عَلَى نِسَاءِ الْعٰلَمِينَ * يٰمَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّٰكِعِينَ﴾(سورة آل عمران: 42-43).

وهكذا العفيفة الطاهرة السيدة مريم البتول يصطفيها الله تعالى مرتين في رياض الحب والزهد والعبادة بين أزهار التقى والنقاء والحب والطهر والعفاف والصلاح، ويجعلها من خير نساء العالمين، وذلك أنها صبرت على أذى قومها، وكانت عابدة وناسكة ومحبة وتقية وعارفة بالله تعالى، فقد أكرمها الله -عز وجل- بكرامات ظاهرة وباطنة، واصطفاها من بين جميع النساء لتكون أمًّا لنبيه عيسى المسيح -عليه الصلاة والسلام- دون أن يكون لها بعل أو يمسها بشر.

البشارة والمحنة الكبرى

إنه ابتلاء عظيم للطاهرة العابدة البتول أن يبشرها الله -سبحانه وتعالى- بولد منها وهي غير ذات بعل. يقول الله -جلت حكمته-: ﴿اِذْ قَالَتِ الْـمَلٰٓئِكَةُ يٰمَرْيَمُ اِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْـمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْـمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْـمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصّٰلِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ اَنّٰى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذٰلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ اِذَا قَضَى اَمْرًا فَاِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (سورة آل عمران:45-47).

جاءتها بشارة الملائكة وهي في المحراب؛ (والمحراب غرفة في المسجد يعتزل فيه المقيم بها عن الناس)، وكان بنو إسرائيل يتخذون المحاريب في المساجد للخلوة والعبادة، (وسمي هذا المكان في المسجد بالمحراب؛ لأن المقيم فيه كأنه محارب للناس مبتعد عنهم أو كأنه بيت الأسد).

يقول الله جل شأنه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتٰبِ مَرْيَمَ اِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ اَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فأرسلنا اِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ اِنِّي اَعُوذُ بِالرَّحْمٰنِ مِنْكَ اِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ اِنَّمَا اَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِاَهَبَ لَكِ غُلٰمـًا زَكِيًّا * قَالَتْ اَنّٰى يَكُونُ لِي غُلٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ اَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهٓ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ (سورة مريم:16-21).

وفي يوم من الأيام تخلو مريم العفيفة الزاهدة البتول - عليها السلام- بنفسها لقضاء شأن من شؤون العذراء الخاصة، فيظهر لها فجأة رجل مكتمل سوي متهلل وجهه كأنه البدر ليلة التمام في محرابها، فتنتفض انتفاضة العذراء المذعورة فتلجأ إلى الله -جل وعلا- وتستعيذ به وتستنجد وتستثير مشاعر التقوى في نفس الرجل، والخوف من الله والتحرج من رقابته في هذا المكان الخالي: ﴿قَالَتْ اِنِّي اَعُوذُ بِالرَّحْمٰنِ مِنْكَ اِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فالتقيّ تتحرك مشاعره الإيمانية، وينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن، ويستحضر مراقبته له، ويرجع عن دفعة الشهوة ونزغ الشيطان.. فلا يجعل الله تعالى أهون الناظرين إليه.. فيجيبها قائلًا: ﴿اِنَّمَا اَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِاَهَبَ لَكِ غُلٰمـًا زَكِيًّا﴾.

وهنا يتمثل الخيال تلك العذراء الطاهرة البريئة القديسة، التي تربت على التقوى والصلاح ونشأت في بيت يسوده الإيمان والحب والمثل العليا، وكفلها نبي زمانها سيدنا زكريا - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-، ونُذرت قبل ذلك لله جنينًا... إنها هزة عنيفة.. وامتحان قوي..

 لكن النقية العفيفة لم تثق بعد بأنه رسول السماء فتدركها شجاعة الأنثى المهددة في عرضها! فتسأل في صراحة: ﴿اَنَّى يَكُونُ لِي غُلٰمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ اَكُ بَغِيًّا﴾.. كيف بعذراء لم يمسسها بشر، وما هي من البغايا فتقبل الفعلة التي تجيء منها بولد! ويبدو من سؤالها أنها لم تكن تتصور حتى اللحظة وسيلة خارقة لوقوع ذلك الحدث إلا الوسيلة المعهودة في التناسل بين الذكر والأنثى، فقد جرت سنة الله المعهودة في استمرار الحياة بالتناسل من ذكر وأنثى في جميع الفصائل والأنواع بلا استثناء. لكن الروح يجيبها: ﴿قَالَ كَذٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهٗ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾: إن ذلك هين على الله -جل وعلا- الذي يقول للشيء كن فيكون، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماوات، فأمره بين الكاف والنون، سواء جرت بذلك سنته المعهودة أم جرت بغيره؛ فإن الذي أوجد الإنسان من العدم قادر على أن يخلق إنسانًا من غير أب.

فالله - سبحانه وتعالى- أراد أن يجعل هذا الحادث العجيب الضخم، وهذه المعجزة الربانية، على غير سنته التي جرت منذ وجد الإنسان على هذه الأرض آية للناس، وعلامة على وجوده وقدرته ووحدانيته...ورحمة لبني إسرائيل لعلهم يؤوبون إلى رشدهم ويرجعون إلى ربهم، ويكفون عن شركهم وفسادهم في الأرض، ورحمة كذلك للناس جميعًا فيما بعدهم، بإبراز هذه المعجزة التي تقودهم إلى معرفة الله تعالى وتوحيده وعبادته والسعي إلى مرضاته.. هكذا لتظل آثار القدرة الإلهية ماثلةً أمام العيان، بعظمة الله الواحد الأحد.  
وحاولت دفع هذا عن نفسها، لكن جاءها الأمر الإلهي الذي لا راد له: ﴿قَالَ كَذٰلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ اِذَا قَضٰى أَمْرًا فَاِنَّمَا يَقُولُ لَهٗ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

فهذا أمر الله وعليك قبوله، فلا راد لكلمته، وكان أمرًا مقضيًا ومحققًا؟! ولله - سبحانه وتعالى- شأن في إخراج هذه الآية للناس: امرأة زاهدة في الدنيا، عاكفة في بيت ربها، عابدة وناسكة، صالحة تبتلى بحمل من غير بعل يُصدقها الصادقون من المؤمنين، ويكذبها المنكرون من الكافرين الحاقدين عليها ومن في قلوبهم مرض، ويكون وليدها الذي قضاه الله تعالى وقدره على هذه الصورة المعجزة آية من آيات الله في خَلْقِه، وآية في خُلُقِه، وآية في معجزاته، ورحمة للمستضعفين في زمانه، وبعد زمانه.

حمل السيدة مريم بسيدنا عيسى

لقد كان حمل السيدة مريم مُعجزة من المعجزات، وهي الفتاة العذراء التي لم يمسّها بشر، والمعروفة بالطهارة والعفة، فأرسل الله تعالى جبريل عليه السلام في هيئة رجل ليخبرها بحملها، وعندما ظهرت علامات الحمل على مريم قامت بالخروج من محرابها الموجود في بيت المقدس، وتوجّهت لمكان آخر لتختفي عن أنظار الناس كي لا يلتفت أحد إلى أمرها.

شاع الخبر في بني إسرائيل أن مريم حامل فأساء بها الظن كثير منهم واتهمها البعض بيوسف النجار الذي كان يتعبدُ معها في المسجد، واتهمها ءاخرون بنبي الله زكريا عليه السلام، وحزنت مريم عليها السلام حزنًا شديدًا واعتراها كرب عظيم وتوارت عن أعينهم واعتزلتهم وانتبذت بحملها مكانًا بعيدًا فرارًا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج، وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها إذا أتتهم بمولودها الصغير مع أنها كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد في عبادة الله سبحانه.
لما أتمت مريم عليها السلام أيام حملها وهي في بيت لحم اشتد بها المخاض ثم ألجأها وجع الولادة إلى جذع نخلة يابسة وقيل كانت نخلة مثمرة، فاحتضنت ذلك الجذع وولدت مولودها عيسى عليه السلام، وناداها جبريل عليه السلام من مكان من تحتها من أسفل الجبل يطمئنها ويخبرها أن الله تبارك وتعالى جعل تحتها نهرًا صغيرًا ويطلب منها أن تهزّ جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب الجني الطري وأن تأكل وتشرب مما رزقها الله تعالى وأن تقر عينها بذلك وأن لا تكلم إنسًا فإن رأت أحدًا من الناس تقول له بالإشارة أنها نذرت للرحمن صومًا أي صمتا، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام، فهزت مريم عليها السلام جذع النخلة فتساقط عليها الرطب الجني الناضج فأكلت عليها السلام منه وشربت من ذلك النهر الذي أجراه الله تبارك وتعالى بقدرته لها في مكان كان لا يوجد فيه نهر، وكل ذلك إكراما من الله سبحانه وتعالى لمريم على إيمانها وصلاحها وعنايةً بوليدها السيد المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام.

افتراء قومها ومعجزة وليدها

أتت السيدة مريم عليها السلام قومها تحمل مولودها عيسى عليه السلام على يدها في بيت لحم فلما رءاها قومها قالوا لها: لقد فعلت فعلة منكرة عظيمة، فإن أباك لم يكن رجل سوء ولم تكن أمك زانية، وظنوا بها السوء وصاروا يوبخوها ويؤنبوها وهي ساكتة لا تجيب لأنها أخبرتهم أنها نذرت للرحمن صوما، ولما ضاق بها الحال أشارت إلى عيسى عليه السلام أن كلموه فعنده جواب ما تبغون، عندها قالوا لها متعجبين: ما أخبر الله به بقوله ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والازدراء إذ لا تردين علينا بكلام.

عند ذلك أنطق الله تبارك وتعالى بقدرته الرضيع "عيسى" عليه السلام وكان عمره أربعين يومًا ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وهذا اعتراف منه عليه السلام بالعبودية لله تبارك وتعالى وهذه أول كلمة نطق بها عيسى وهو في المهد ﴿ءاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ وهذا إخبار عما قضى الله تعالى له وحكم له به ومنحه إياه مما سيظهر ويكون، وفي ذلك تبرئة لأمه مما نسبوا إليها واتهموها به، فإن الله تعالى لا يعطي النبوة لمن هو كما زعموا، ثم قال لهم عيسى عليه السلام ما أخبر الله تعالى به: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ أي نفاعًا حيثما توجهتُ معلمًا للخير، وذلك أن عيسى عليه السلام كان يدعو حيث كان إلى عبادة الله تعالى وحده وأن لا يُعبَدَ شىء غيره.

قال تعالى إخبارًا وحكاية عن عيسى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ وهذا أيضًا إخبار عما قضى الله له ومنحه إياه ممّا سيظهر ويكون، فكان نبي الله عيسى عليه السلام يصلي لله تعالى كما أمره، ويحسنُ إلى عباد الله بالزكاة وبذل الأموال والعطايا للمحتاجين والفقراء، ولم يكن عليه السلام فظّا ولا غليظًا، قال تعالى إخبارًا عن عيسى عليه السلام وما أنطقه به في المهد: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ فلما كانت هذه المواطن الثلاثة أشقُّ ما يكون على ابن ءادم جعل الله تعالى السلامة على نبيه عيسى عليه السلام في هذه المواطن الثلاثة يوم ولادته وعندما يموت وعند البعث يوم القيامة.
وفاة السيدة مريم عليها السلام
عاشت السيدةُ مريم مع ولدها النبي عيسى عليهما السلام في الجبل بعيدَين عن أعين الناس، يَتَعبدان ويَقومانِ في الليل ويَصومان في النهار، يعتمِدان في غذائهما على نباتات الأرض ومياه المطر، وفي أحد الأيام نَزَل عيسى من الجبل لجمعِ بعض النباتات ليأكلَ مع والدته، في هذه الأثناء نَزَل مَلَكٌ على السيدة مريم وهي تُصلّي في مِحرابها، فخافت ووقعت مغشياً عليها، وبعد أنْ أفاقت قالت للمَلَك: من أنت يرحمك الله؟ قال لها: أنا مَلَك الموت. فقالت له: جِئت زائراً أم قابضاً. قال: بل قابضاً. فقالت: يا ملَك الموت لا تَتَعجّل حتى يعود قُرَّةُ عيني، وريحانة قلبي، وفلذة كبدي عيسى. فقال لها: ما أَمرني الله تعالى بذلك، وأنا عبدٌ مأمور من الله. فقالت: يا ملَك الموت قد سلَّمتُ أمري لله تعالى ورضيتُ بقضائه.

في اليوم الثاني دخَلَ عيسى عليه السلام إلى أمّه فوجدها نائمة، فلم يوقظها من نومها رحمةً بها، وقام إلى صلاته حتى ثُلُث الّليل فعاد إلى أمه ووقف عند رأسها فقلب يدها وهو يقول لها: السلام عليك يا أمّاه قد انتصف الليل وأفطر الصائمون وقام العابدون إلى عبادة الجبار، فلم يسمع منها أيَّ رد، فظن أنّها تَعِبة وتُريد النوم، وعاد إليها مرةً ثالثة، وهو يحاول إيقاظها حتى سمع صَوتاً من السماء يُخبِره بأنَّ روح أمِّه قد عَرَجت إلى السماء، فوقع عليه السلام مغشياً عليه، وحزن كثيراً حتى سمع صوتاً يقول له: يا روح الله أتريدُ أحسن مني مُؤنِساً؟ فقال: أعوذُ بعزة ربي ورأفتِهِ فإني رضيت بحكم ربي.

خصائص السيدة مريم
ميز الله سيدتنا مريم عليها السلام عن سائر نساء العالمين، فهي المرأة الوحيدة التي حملت، ووضعت وهي عذراء.
 تُعتبر سيدتنا مريم المرأة الوحيدة التي أُطلق اسمها على سورة كاملة في القرآن الكريم.

اضافة تعليق