"التأني".. كيف تدير المشكلة وتصل للقرار من وحي فعل النبي؟

السبت، 04 مايو 2019 10:58 ص
فضيلة-التأني..-كيف-تدير-المشكلة-وكيف-تصل-للقرار-من-وحي-ما-فعل-النبي؟


عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((التأنِّي من الله والعجلةُ من الشيطان))، ذلك تحذير حتى لا تغلب العجلة على تصرفاتنا فنقع في المحظور.

دائمًا ما يتعجل أكثرنا في إصدار أحكامه نحو الآخرين، فيسيء الظن بهذا، ويتهم هذا، ويتعجل في الحكم على هذا، فيخسر الكثير من الناس.

كما أنه دائمًا ما تسيطر فكرة العجلة على اتخاذ القرار، فتكون أغلب قراراتنا غير مدروسة، مما تؤثر على حياتنا، في الوقت الذي تعد الأناة خُلُقٌ يحبه الله ويتصف به العقلاءُ ، فلا يقدمون على أمر إلا بعد دراسة وتحقق، ولا يتلفَّظون بكلام إلا بعد تروٍّ ونظر، فيَسْعَدون ويُسْعِدون.

وقديما قالت العرب: "دعوا الأمر يَغِبَّ"، كما جاء في كلمة عبدالله بن وهب الراسبي الأزدي لما عزم الخوارج على بيعته فقال: "يا قوم استبيتوا الرأي"؛ أي: دعوا رأيكم تأتي عليه ليلة، ثم تعقبوه. وقال: "إياكم والرأيَ الفطيرَ، والكلامَ القضيب، دعوا الرأي يَغِبُّ، فإن غُبوبه يكشف للمرء عن فَصِّه.. وليس الرأي بالارتجال، ولا الحزم بالاقتضاب".

والنبي صلى الله عليه وسلم طالب المسلمين بالحلم، فالحلم لم يكن في شيء إلا زانه كما يقول النبي، والأناة مطلوبة في كل شيء،  وقد كان هناك نفر من الشعراء يفعلون هذا، ويبالغون فيه، وعُرِفوا في أدبنا العربي بـ(عبيد الشعر)، كان الشاعر منهم ينظِم القصيدة وينظر فيها، ويعيد النظر فيها سَنَة كاملة قبل أن يَعرِضها على الناس وسُميتْ هذه القصائد بـ(الحوليات)، فماذا بالنا بدراسة القرارات التي تؤثر على مستقبلنا، والألفاظ التي تحكم علاقاتنا بالغير من الناس حولنا.

وكان العلماء وذوو الرأي والوجاهة إذا تكلموا أو كتبوا، تأنَّى الواحدُ منهم في الإجابة إذ سئل عن حكم شرعيٍّ ، أو حادثة تاريخية، أو موقف من المواقف.. فلا يتسرع؛ بل يُعْنى بفَهم السؤال أولاً، و يرجع إلى الكتب والمصادر العلمية حتى إذا استوثق من وقوفه على جلية الأمر نظر مرة أخرى في الجواب، وسأل نفسه: هل من المصلحة أن أُجيب أم من المصلحة أن أُعرِض عن ذلك؟.
 
ومع دخول موسم الامتحانات، فالأناة مطلوبة من الطالب الذي يدخل قاعة الامتحان ويُعطى ورقةَ الامتحان.. إن عليه أن يتأنَّى، وينظر فيها بتأملِ واعٍ، ويفهم الأسئلة، ثم يشرَع بالإجابة، ولا يَعجَل.

والأناة مطلوبة في الزواج، ومطلوبة من أهل الفتاة المخطوبة، فلا يجوز أن يتسرَّع أيٌّ منهما في إبرام الأمر؛ بل على كل من الطرفين السؤالُ والبحث، والاستشارة، والاستخارة، أما إذا كان تسرُّعٌ في هذا الأمر واستعجالٌ كان احتمالُ الإخفاق وارداً.

وقد يَعْمَد الرجل المتسرِّع وهو في سَوْرة الغضب إلى إيقاع الطلاق دون تبصُّر لعواقب الأمر، فيندم، ويسارع إلى العلماء والفقهاء يطلب إليهم أن يجدوا له حَلا، ويدرك أنه بهذا التسرع خرَّب بيته، ودمَّر حياته، وكان في غِنًى عن ذلك لو أنه تأنَّى وصبر.

والأناة مطلوبة من الإنسان في تعامله مع الآخرين، فقد يسمع كلمة مسيئة له، أو شتيمة تُوجَّه إليه، فلا يتسرَّعِ العاقلُ في الرد على المسيء، ولا يستسلم للانفعال؛ بل يقف ويفكر في الموقف السليم الذي ينبغي أن يقفه، فقد يكون الإعراض عن هذا المسيء أفضل، وقد يكون الرد عليه بحكمة أفضل. إن عليه أن يتأنى ولا يعجل.

وفي ذلك قوله تعالى: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37]، وجاءت الآية ردًا على أن المشركين كانوا يستعجلون الآيات.

وهذا ورد في أكثرَ من موضع من كتاب الله، فذكر ربُّنا أن الإنسان مخلوق من عجل، وهدَّدهم سبحانه بأنه سيريهم آياتِه المعجزات التي سيرونها، وهي تدلُّ على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - وما جعل الله له من العاقبة المحمودة، وقد يراد بالآيات نِقماتٌ الله في الدنيا والآخرة. 

ويتعجل الإنسان في الدعاء وفي ذلك قوله تعالى: {وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً} [الإسراء: 11].

ويدعو الإنسان على نفسه بالشرِّ إذا ما أصابته مصيبةٌ من فقر أو مرض.. يدعو على نفسه بالشر كما كان يدعو لها بالخير؛ وذلك لأن الإنسان بفطرته عجول: {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً}؛ فعليه أن يغالب ذلك، ويتصف بالأناة.

الله يجب الأناة

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأشجِّ عبد القيس: ((إن فيك خَصْلَتين يُحِبُّهما الله: الحِلْمُ والأناةُ)).

وعن عبد الله بن سَرْجِس المزني رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((السَّمتُ الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة)). 

وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه،قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الأناة من الله والعجلة من الشيطان)).

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "كنتُ أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه بُرد نجرانيٌّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه بردائه جذبة شديدة، فنظرتُ إلى صفحة عنق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أثَّرتْ بها حاشيةُ الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك؛ فالتفتَ إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء".

وفي هذا الحديث بيانُ حِلْمه - صلى الله عليه وسلم - وصبره على الأذى، والتجاوز عن جفاء هذا الأعرابي، وفيه بيانٌ لخُلُقه العظيم من الصفح والدفع بالتي هي أحسن.

ووروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في بعض كلامه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: {رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً}، ولو دعوتَ علينا بمثلها لهلكنا من عن آخرنا، فلقد وُطِىء ظهرُكَ، وأُدْمِيَ وجهُكَ، وكُسِرتْ رباعيتُكَ، فأبَيْتَ أن تقول إلا خيراً، فقلت: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))".

والأناة المطلوبة ينبغي أن تكون في الحدود المقبولة، وإلا انقلبت إلى ضدها؛ فليس من الأناة المحمودة أن يبطئ المرءُ في أمر تحققتْ له مصلحته وللمسلمين، ولا في أداء واجب افترضه الله عليه حتى يفوت وقته.

عالم متسرع

وفي هذا الزمان نعيش ببساطة زمن تمجيد السرعة في كل شيء: الطعام السريع، تبدّل الموضة بسرعة، وصفات إنقاص الوزن السريعة التي ستمنحك الجسم المثالي خلال أسبوعين، الدورات التدريبية السريعة التي تحيلك إلى خبير متمرِّس، كتب تطوير الذات السريعة التي ستحل جميع المشكلات العاطفية والنفسية، وصولاً إلى العلاجات السريعة التي تزعم القدرة على معالجة الأمراض المزمنة! فكل هذه الأمور تدور في فلك اعتقاد وحيد: الحصول على أكبر نتيجة ممكنة بأقل جهد ممكن. 

وظهرت في الآونة الأخيرة حركة ثقافية تعلي من شأن التأني، أطلق عليها اسم "حركة التأني" ويعرّفها المؤلف كارل أونوريه على أنها "ثورة ثقافية لمواجهة التصوُّر القائل إن السرعة هي الأفضل دائمًا.

ويذكِّرنا الكاتب هذا بما كتبه حول هذا الموضوع العالِم النفسي والحائز جائزة نوبل في الاقتصاد دانيال كانمان في كتابه الشهير "التفكير بسرعة وببطء"، حيث تناول بشيء من التفصيل الممتع كيف يعمل دماغنا وفق نظامي تفكير مختلفين يعملان مع بعضهما وفق علاقة معقَّدة من الشد والجذب وبنسب متفاوتة عند كل فرد (نتيجة اختلافات جينية وبيئية وثقافية وتباين تجارب الحياة لكل فرد)، وهما:

-النظام الأول، وهو نظام التفكير السريع الذي يحدث عادة في اللاوعي ويتصف بالعاطفية والتلقائية والاندفاعية، ولا يحتاج منا إلى جهد كبير.

-النظام الثاني وهو نظام التفكير البطيء وهو نظام تحليلي يتعامل بلغة الأرقام والمنطق ويتطلب قدراً من الجهد والتدبر والوعي ومراعاة جميع الاحتمالات الممكنة.

ويتحدَّث كارل أونوريه في كتابه الآخر "الحل المتأني" عن هوسنا بالحلول السريعة وعن السمات التي يجب أن تتسم بها الحلول المتأنية الضرورية لمواجهة مشكلاتنا العويصة، ومن أبرزها ما يأتي:

الاعتراف بالأخطاء التي ارتُكبت
ولا نتحدث هنا عن البحث عن شماعة أو كبش فداء بل عن أهمية ألا ندفن رؤوسنا في الرمال، وأن ندرك بأنه لا يمكن لشخص ما مهما كان منصبه أن يملك كل الحلول. 

التفكير في السبب الجذري وليس الأعراض

على الرغم من بداهة هذه الفكرة إلا أنها من أصعب الخطوات في إيجاد حل متأنٍ، وذلك لصعوبة مقاومة الرغبة الجامحة للقفز المتسرع إلى النتائج. 

التفكير بعيد المدى

إن التفكير بعيد المدى يتطلَّب التصالح مع حقيقة أنه سوف يساء فهمنا لفترة طويلة في البداية. ومعظمنا قرأ أو سمع عن النهايات المأساوية أو الخسائر المتلاحقة للشركات التي جعلت من الربحية قصيرة المدى هدفاً بحد ذاته. 

التفاصيل تصنع الفرق

التفاصيل مهمة جداً ولكن قلّما وجدنا من يهتم بها. لماذا؟ لأن التفاصيل لا تلفت الأنظار عادة ونادرًا ما تكون حديث الساعة والإعلام. 

لعنة الخبرة

مع تقدُّم سنوات الخبرة، تتطور لدى الإنسان مهارةٌ الخبرة والقدرة على رؤية أنماط معقَّدة بمجرد النظر إلى معلومات محدودة، وهو ما يصقل لدينا الحدس.

التعاون مع عقول من خارج الاختصاص
قديمًا، كان من الممكن أن نجد أولئك العباقرة متعدِّدي التخصصات كالرازي وابن سينا ودافنشي لأن المعارف وقتها كانت محدودة، ثم أصبح لا بد من التخصص الدقيق في مجال معيَّن. 

إن التأني لا يعني البطء أو العطالة أو الكسل، بل يعني القيام بالشيء وفق السرعة المناسبة سواء أكان ببطء أو بسرعة هائلة. كما يعني أن نمنح كل لحظة في حياتنا الوقت والانتباه اللذين تستحقانه بدلاً من الجري المسعور نحو المواعيد النهائيـة. 

فحتـى لو كنا تحت الضغط لحل مشكلة بسرعة كبيرة فلا ضير في ذلك، شرط أن نعود إليها مرة أخرى بعد أن نلتقط أنفاسنا، ونشرع من جديد في رحلة البحث عن حل متأنٍ.

اضافة تعليق