Advertisements

متى يتحول الخشوع إلى نفاق؟.. أربعة معان في القرآن الكريم لهذه العبادة

الأحد، 12 مايو 2019 03:59 م
متى يتحول الخشوع إلى نفاق


الخشوع في العبادة هو العبادة بعينها، فإذا خشع قلب العبد خشع السمع والبصر، خشع الرأس والوجه، وخشعت سائر الأعضاء وما ينشأ عنها حتى الكلام.

وذكر الله سبحانه وتعالى الخشوع في القرآن الكريم، وجعله مخ العبادة، وأمر عباده بالخشوع وجعله شرط الإيمان، فقال جل شأنه في سورة الحديد: " (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: 16].

 ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه في الصلاة «خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي» وفي رواية «وما استقل به قدمي».

ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يعبث بيده في الصلاة، فقال رضي الله عنه «لو خشع قلب لخشعت جوارحه».

وفسر علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخشوع في قوله تعالى (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون:2 ] قال رضي الله عنه: «الخشوع في القلب وأن تلين للمرء المسلم كنفك وألا تلتفت في صلاتك».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون: 2] أي خائفون ساكنون.

ووصف الله تعالى في كتابه الكريم الأرض بالخشوع فقال سبحانه (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) [الحج: 5] فاهتزازها وربوبها وهو ارتفاعها مزيل لخشوعها, فدل على أن الخشوع الذي كانت عليه هو سكونها وانخفاضها، فكذلك القلب إذًا فإنه تسكن خواطره وإراداته الرديئة التي تنشأ من اتباع الهوى وينكسر ويخضع لله, فيزول بذلك ما كان فيه من التعاظم والترفع والتكبر.

فالخشوع تظهر آثاره على الجوارح والأعضاء، دون تفريط أو إفراط، فمتى تكلف الإنسان خرج الخشوع من قلبه، وتحول للنفاق، كما قال بعضهم: «استعيذوا بالله من خشوع النفاق»، قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال:" أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع".

ونظر عمر رضي الله عنه إلى شاب قد نكس رأسه فقال له: «يا هذا! ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب».

ومما يبعث الخشوع في القلب مطالعة العبد لكمال الله وجماله وجلاله المقتضي للاستغراق لمحبته سبحانه والشوق إلى لقائه ورؤية وجهه الكريم يوم القدوم عليه سبحانه..

ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «وأسألك لذة النظر إلي وجهك الكريم والشوق إلى لقائك».

ومن السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله «رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه»، كما أن الأسباب الباعثة التي تجعل الخشوع في القلب مطالعة العبد لشدة بطش الله وانتقامه وعقابه ممن عصاه وأعرض وتذكر صراطه المستقيم.

وإن مما يوجب الخشوع في القلب: العلم النافع الذي يباشر القلب فيوجب له السكينة والخشية والإخبات لله والتواضع والانكسار وإذا لم يباشر القلب ذلك العلم وإنما كان على اللسان فهو حجة لله على ابن أدم تكون على صاحبه وغيره كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم».

وفي حديث جبير بن نفير رضي الله عنه عن عوف بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نظر إلى السماء يوم فقال هذا أوان يرفع فيه العلم»، فقال رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد: يا رسول الله أيرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن كنت لأحسبك من أفقه رجال المدينة" وذكر ضلال اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله عز وجل قال: فلقيت شداد بن أوس فحدثته بحديث عوف بن مالك فقال: صدق عوف، ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ – أي بأول علم يرفع- فقلت: بلي، قال: الخشوع حتى لا ترى خاشعًا.

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ بالله من علما لا ينفع ومن قلب لا يخشع..

الخشوع في القرآن

ورد لفظ (خشع) في القرآن سبع عشرة مرة، جاء في خمسة عشر موضعًا بصيغة الاسم، من ذلك قوله عز من قائل: {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون} (المؤمنون:2) وجاء في موضعين بصيغة الفعل، الأول: قوله عز وجل: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} (طه:108) الثاني: قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} (الحديد:16).

ولفظ (خشع) ورد في القرآن على أربعة معان:

الأول: بمعنى التصديق والتسليم، ومنه قوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} (البقرة:25) قال الطبري: "يعني بقوله: {إلا على الخاشعين} أي: إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده".

الثاني: التواضع والخضوع، ومنه قوله سبحانه: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} (الأنبياء:90) أي: متواضعين خاضعين. ومنه أيضاً قوله تعالى: {خاشعة أبصارهم} (القلم:43) أي: خاضعة أبصارهم للذي هم فيه من الخزي والهوان.

الثالث: بمعنى التذلل، ومنه قوله عز وجل: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} (المؤمنون:2) قال الطبري: "خشوعهم فيها تذللهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها". وبحسب هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: {وجوه يومئذ خاشعة} (الغاشية:2) أي: ذليلة. ومن هذا القبيل كذلك قوله عز من قائل: {خشعا أبصارهم} (القمر:7) يقول: ذليلة أبصارهم خاشعة.

الرابع: بمعنى سكون الجوارح، ومنه قوله عز وجل: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} (طه:108) أي: سكنت أصوات الخلائق للرحمن. روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: {وخشعت الأصوات للرحمن} يقول: سكنت.

أما قوله تعالى: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} (فصلت:39) أي: دارسة غبراء، لا نبات بها، ولا زرع. قال قتادة: "غبراء متهشمة".

وقوله عز وجل: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} (الحديد:16) أي: ألم يجئ الوقت الذي تلين به قلوبهم، وتخشع لذكر الله، الذي هو القرآن، وتنقاد لأوامره وزواجره.

قال حذيفة رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة، فلا ترى فيهم خاشعًا. وقال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.

اضافة تعليق