"فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا".. قصة "العُقد المفقود" الذي نزلت بسببه آية "التيمم"

الإثنين، 13 مايو 2019 07:00 م
فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا


يقول الله تعالى في سورة "المائدة": "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)".

تعد أية الطهارة والوضوء للصلاة من الآيات الكريمات التي شرحت بشكل مفصل أهمية هذا الركن في الاستعداد للقاء الله والوقوف بين يديه والتهيؤ للصلاة.

وجاء في "الصحيحين" وغيرهما عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وعلى وسلم، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش -موضعان بين مكة والمدينة- انقطع عِقْد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي، قد نام، فقال: حبستِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء -أي: ليس في المكان الذي أقاموا فيه ماء- وليس معهم ماء، قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا.

ورواية عن البخاري: "هلكت قلادة لأسماء فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالاً، حتى أخر الحديث، وفيه نزلت آية التيمم، {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} الآية.

وفي رواية أخرى عنده جاء فيها: أنها استعارت من أسماء قلادة، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم.

وقد اختلف المفسرون في الآية التي نزلت على هذا السبب هل هي آية النساء، أو آية المائدة؟، فذهب أكثر المفسرين إلى أن الآية التي في النساء {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} (النساء:43) هي التي نزلت على هذا الحديث، ومن هؤلاء الطبري، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير، والسعدي، وابن عاشور.

وقال ابن كثير في الموضع نفسه: "ذكر سبب نزول مشروعية التيمم، وإنما ذكرنا ذلك ها هنا، لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر، والخمر إنما حُرِّم بعد أُحُد بيسير في محاصرة النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير، وأما المائدة، فإنها من آخر ما نزل، ولا سيما صدرها، فناسب أن يذكر السبب ها هنا" ثم ساق الأحاديث.

وذهب بعض المفسرين إلى أن الآية التي في المائدة، هي التي نزلت بسبب قصة عائشة، ومن هؤلاء ابن العربي، فقد قال لما ساق حديث عائشة مختصراً إلى قولها: فنزلت آية التيمم، قال: "وهي معضلة ما وجدت لدائها من دواء عند أحد، هما آيتان فيهما ذكر التيمم، إحداهما في النساء، والأخرى في المائدة، فلا نعلم أية آية عنت عائشة.

وقال العلماء في سورة المائدة عند آية الوضوء: "لا يختلف أن هذه الآية هي التي قالت عائشة رضي الله عنها: فيها نزلت آية التيمم، وهي آية الوضوء، لكن من حيث كان الوضوء متقرَّراً عندهم مستعمَلاً، فكأن الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوته، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم، وآية النساء إما نزلت معها أو بعدها بيسير، وكانت قصة التيمم في سفر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في غزوة المُرَيْسِيع، وفيها وقع حديث الإفك".

وتقدمت آية التيمم في سورة النساء في نزولها على آية التيمم في سورة المائدة؛ لأنها نزلت قبل أن تحرم الخمر، كما أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً، ولا سيما صدرها، ومنه آية الوضوء، فقد تأخر نزولها كثيراً.

ويتبين أن الراجح أن التيمم شُرع في آية سورة النساء بسبب فَقْد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لعِقْدها، فأقام الصحابة رضي الله عنهم على التماسه، فلم يجدوه حتى أنزل الله آية التيمم، وكان ذلك قبل غزوة المُرَيْسِيع بزمن، بل قبل تحريم الخمر أيضاً؛ وأن الآية نفسها من سورة المائدة تأخر نزولها كثيراً، مع تعدد القرائن الدالة على تقدم سورة النساء في النزول.

اضافة تعليق