لا تستهن بالمعصية..احذر "كبيرة إبليس" التي ذهبت به إلى الغواية والرجم

الأحد، 09 يونيو 2019 02:44 م
هكذا نندفع إليها


يندفع الإنسان إلى المعصية ثم سرعان ما يهون منها، إما بالتماس العذر لنفسه بأنه كان ضعيفًا أمامها، أو بالتصغير من شأن معصيته، وأنها من اللمم التي تمحوها صلواته وزكواته، وإما بإلصاق هذه المعصية بالقدر المكتوب، معتبرًا أنه لولا أن كتب الله عليه هذه المعصية لم يكن ليفعلها.

من هنا، يدخل الإنسان في شرك الشيطان الذي كان أول من نظر بهذا المنطق لاستعلائه على أمر الله سبحانه وتعالى له بالسجود لآدم.

وبهذا يسلك من يرتكب الصغائر ويحقرها يلقي لها بالًا مسالك الشيطان، فلا يتوب منها، فتتكاثر عليه حتى تصبح مثل الجبل الضخم، لا يقوى على حمله فيهوي بذنوبه في النار.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قومٍ نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ وذا بعودٍ، حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه".

فالتقليل من شأن الذنوب قد تكون سببًا لهلاك الإنسان ودخوله النار، وقد أردك الصحابة خطورة هذا الأمر، وامتثلوا للتحذير النبوي منه، فكانوا يتوبون من كافة ذنوبهم كبرت أو صغرت.

وقد حذر الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه خادم النبي صلى الله عليه وسلم من خطر استصغار الذنب، قائلاً: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الموبقات".

كما أن طلحة الأنصاري رضي الله عنه الذي كان يصلي يومًا في بستان له يحبه جدًا، وأثناء صلاته رأى طيرًا يخرج من بين الشجر، فتعلقت عيناه بالطائر حتى نسي كم صلى، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي ويقول: يا رسول الله.. إني انشغلت بالطائر في البستان حتى نسيت كم صليت، فإني أجعل هذا البستان صدقة في سبيل الله، فضعه يا رسول الله حيث شئت لعل الله يغفر لي".

الاحتجاج بالقدر

احتج إبليس منذ بدء الخليقة، بالقدر لتبرير استعلائه ومعصيته، فبعد أن رفض أمر الله بالسجود لآدم واستحق غضب الله عليه بلعنه وطرده من رحمته وإخراجه من الجنة، لم يندم، ولم يتب، ولم يرجع على نفسه باللائمة، بل زاد عصياناً وتمرداً، بإضافة غوايته إلى الله، فقال ” رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ” (الحجر : 39) .

ويقع الكثير من الناس في شرك إبليس، ويقدم مبرراته نفسها، وحجته الباطلة فغرقوا في الضلال ووقعوا في المعاصي والآثام ثم احتجوا على ذلك بالحجة الإبليسية، وقالوا: هذا شيء قدَّره الله علينا فحملوا مسئولية خطاياهم على ربهم، وهو الذي نهاهم عن تلك المعاصي.

وفي هؤلاء قال الله تعالى: “سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ  كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ” (الأنعام : 148) .

وقال تعالى: “وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن  شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ” (النحل : 35) . وقال تعالى: “وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْهُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ” (الزخرف : 19 ـ 20) .

وقد ردَّ الله في القرآن الكريم هذه المزاعم، ووصف أصحابها بالكذب والتخرص، صحيح ما يجري في الكون يجري بمشيئة الله الكونية، ويقع وفقًا لإرادته، ولكن دعوى المشركين أنهم وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب تلك المشيئة الإلهية والإرادة الإلهية، باطل ومردود لما يأتي:

وقال العلماء إن مشيئة الله غيب لا يعلمه أحد قبل أن يقع: فمن أين لهؤلاء المشركين أن يعلموها ويحيلون عليها شركهم وضلالهم، كما أن علم الإنسان محدود، ومن ثم لا أحد يستطيع أن يعلم ما قدره الله في المستقبل من خير أو شر إلا بعد وقوع أحدها له أو عليه، أما قبل ذلك فلا علم لأحد بما سيحصل ” وَمَا تَدْرِي  نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَاتَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (لقمان : 34) .

ويقول العلماء إن الله أذاق الكافرين السابقين ألوان العذاب وأصناف العقاب جزاء على كفرهم: ولو لم يكونوا مختارين لما ارتكبوه من جرائم وآثام وكفر وشرك لما عذبهم الله لأن الله عدل لا يظلم أحد ” وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ”  (فصلت : 46) . وقال تعالى: “فَكُلًّا  أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ  خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” (العنكبوت : 40) .

وأوضحوا أن الله خلق البشر وفطرهم على الاستعداد للخير والشر والهدى والضلال، ومنحهم العقل لترجيح واحد من هذه على الأخرى: بيَّن الله لهم الآيات الكونية الهادية إلى الحق والخير، وأرسل الرسل وأنزل الكتب والشرائع كموازين ثابتة تعين الإنسان في اختياره، ومن ثم فلا حجة للإنسان بأن وقوعه في الضلال وإنحرافه عن الحق لم يكن باختياره وإرادته، أو أنَّ قدر الله هو الذي أضله ، قال تعالى: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا” (الشمس : 7 ـ 8) . وقال تعالى: ” إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا” (الإنسان : 3) ، ويقول سبحانه: ” وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ” (البلد : 10)، فكل إنسان إذن مسؤول محاسب على عمله من خير وشر.

 يروى أن أحد اللصوص سرق في عهد عمر رضي الله عنه فأحضر بين يديه فسأله عمر قائلاً: لم سرقت؟ فقال: قدر الله ذلك. فقال عمر رضي الله عنه: اضربوه ثلاثين سوطاً ثم اقطعوا يده. فقيل له: ولم؟ فقال: يقطع لسرقته ويضرب لكذبه على الله.

 ويقول الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه وتعالى العبد على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله تعالى، بما يكون من اكتسابات العبد، وصدورها عن تقدير منه، وخلقه لها خيرها وشرها.

فالاحتجاج بالقدر يلزم منه أن يستوي أولياء الله وأعداء الله: حيث لا يتميز الأبرار من الفجار، ولا أهل الجنة من أهل النار، فإن هؤلاء جميعاً قد كتب مقاديرهم، قبل أن يخلقهم، وهم مع هذا قد انقسموا إلى سعيد بالإيمان والعمل الصالح، وإلى شقي بالكفر والفسوق والعصيان.

قال تعالى:” أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ” (القلم: 35، 36) . وقال تعالى:” أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا  الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ” (ص: 28) . وقال تعالى:” لَايَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ” (الحشر: 20) .

اضافة تعليق