هذا هو حكم الشرع في استجلاب المرأة لدم الحيض

السبت، 15 يونيو 2019 01:47 ص
مرأة   حائض

قد بلغتُ من العمر خمسين عامًا؛ ودم الحيض في طريقه للانقطاع تمامًا، فهل يجوز أن آخذ دواء حتى يتأخر انقطاعه؟

الجواب : 

ويجيب على هذا السؤال فضيلة الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام، مفتي الديار المصرية، بالقول إن "الحيض في الشرع هو عبارة عن الدم الذي يخرج من رحم امرأة بالغة صحيحة، ومن منظور طبي: هو عبارة عن نزيف شهري يستمر بين يوم إلى سبعة أيام غالبًا، ويحدث عادة كل ثمانية وعشرين يومًا، ومن الممكن أن تنقص هذه المدة أو أن تزيد، ويُسمى الحيض بالطمث.
ومصدر السائل الطمثي الذي هو دم الحيض هو الرحم؛ ففي سن البلوغ تبدأ الغدة النخامية تحت تأثير مراكز عليا في المخ تنبيه الغدد الصماء، ومنها المبيضان، فيفرزان الهرمونات الأنثوية فينمو الرحم، وفي كل دورة ينمو الغشاء المبطِّن للرحم ويمتلئ بالغدد، وتتركز فيه المواد الغذائية استعدادًا لاستقبال البييضة الملقحة التي تنغرس في جدار الرحم المُعَدِّ لذلك، فإذا لم يحدث حمل تبقى البُيَيْضة بدون تلقيح، وتبدأ في الضمور وتهبط معها الهرمونات، فيتفتت الغشاء المخاطي المبطن للرحم وينزل على هيئة دم الحيض. والسائل الحيضي عبارة عن دم غير متجلط مع مخاط مع بقايا خلايا الغشاء المخاطي الذي تفتت، وتكون كميته قليلة، ومخاطيًّا في أول الحيض، ثم يكون مائلًا للحمرة، ثم بني اللون في نهاية الحيض، هذا في غالب الأحوال.
ويستمر حيض المرأة على عادة مطردة غالبًا حتى تبلغ سنًّا ينقطع فيه الحيض، ويختلف هذا السن من قطر لآخر ومن امرأة لأخرى، ويبدأ غالبًا بعد سن الخمسين، وهذه المرأة التي انقطع عنها المحيض لكبرها تُسمى الآيسة.
وأهم هرمونين مسببين للحيض هما هرمون الإستروجين وهرمون البروجيستيرون؛ فإذا كان أمر نزول دم الحيض متعلقًا بمجموعة من الهرمونات، وقد تقرر في الطب الحديث إمكانية تحويل هذه الهرمونات إلى أدوية؛ كالحبوب ونحوها، فإنه يمكن استجلاب دم الحيض سواء للصغيرة أو للآيسة بواسطة هذه الهرمونات الخارجية.
وقد اختلف الفقهاء في حكم أخذ دواء لاستجلاب الحيض في غير وقته المعتاد بلا حاجة؛ فمقتضى قول الشافعية جواز ذلك، وقال الحنابلة أيضًا بجواز أخذ الأدوية لاستجلاب دم الحيض مطلقًا إن لم يكن للتحايل على الشرع بإفطار رمضان؛ قال العلامة ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج" (8/ 237، ط. المكتبة التجارية الكبرى) فيمن انقطع عنها دم الحيض لا لعلة: [ولهذه ومن لم تحض أصلًا وإن لم تبلغ خمس عشرة سنة استعجال الحيض بدواء، وزعم أن استعجال التكليف ممنوع ليس في محلّه كما هو ظاهر] اهـ.
ثم إن أخذت المرأة دواءً؛ لاستجلاب دم الحيض بلا حاجة، فهل يعتبر الدم النازل حيضًا أم لا؟ اختلف الفقهاء: فصرح المالكية بأن هذا الدم لا يُعدّ حيضًا؛ قال العلامة الصاوي المالكي في "بلغة السالك لأقرب المسالك" (1/ 207، ط. دار المعارف): [ومن هاهنا قال سيدي عبد الله المنوفي: إن ما خرج بعلاج قبل وقته المعتاد له لا يسمى حيضًا، قائلًا: الظاهر أنها لا تبرأ به من العدة ولا تحلّ، وتوقف في تركها الصلاة والصوم، قال خليل في "توضيحه": والظاهر على بحثه عدم تركهما] اهـ.
وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن من أخذت دواء لاستجلاب الحيض فنزل الدم فحكمها حكم الحائض؛ قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (1/ 304، ط. دار الفكر): [وقال في "السراج": سئل بعض المشايخ عن المرضعة إذا لم تر حيضًا فعالجته حتى رأت صفرة في أيام الحيض، قال: هو حيض تنقضي به العدة] اهـ.
وقال الشيخ الجمل الشافعي في "فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب" (1/ 287، ط. دار الفكر) فيمن لا تجب عليه الصلاة: [قوله: (ولا على حائض ونفساء)؛ أي: وإن تسبَّبا في الحيض والنفاس بدواء ونحوه] اهـ.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز استجلاب دم الحيض لمن تخشى انقطاعه لكبر سنٍّ أو نحوه إن كان لغرض صحيح يقره الشرع الشريف دون نزول ضرر بها، وإلا يكون حرامًا، ويجب على من تفعل ذلك ألَّا تتحرى عند استجلابه شهر رمضان، ويُعَدُّ الدم النازل في هذه الحالة دم حيض تنقطع في مدته -إن كانت أقل من خمسة عشر يومًا- عن الصلاة والصيام.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

المصدر: دار الإفتاء المصرية

اضافة تعليق