"قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ".. هل الله في حاجة إلينا ولماذا يدعونا إليه؟

الأحد، 16 يونيو 2019 12:20 م
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ


 من أكثر سور القرآن التي تحدثت عن أحوال المؤمنين وصفاتهم، وأحوال المنافقين والمشركين وصفاتهم، ونزل فيها القول الفصل في بيان صفة النفاق والإيمان، هي سورة "الفرقان".

فقد تحدثت هذه السورة الكريمة عن مقاصد رسالة الإسلام والقرآن، وما تضمنته من توحيد الله، وأقامت الحجج الدامغة للمعرضين، وختمت بأمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يخاطب المعرضين بكلمة جامعة، يُزال بها غرورهم وإعجابهم بأنفسهم لإعراضهم عن دعوته، وبين لهم عاقبتهم عند الله تعالى، وأنه ما بعث إليهم رسوله وخاطبهم بكتابه إلا رحمة منه بهم؛ لإصلاح حالهم، وقطعًا لعذرهم.

 يقول الله تعالى في سورة "الفرقان" : { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77) } (الفرقان:77).

 فالخطاب في الآية لكفار قريش؛ لكنه خطاب عام يدخل فيه كل من كان على شاكلتهم، وأعرض عن هدي السماء، وأخلد على الأرض واتبع هواه وكان أمره فُرطًا.

 وفي قول الله تعالى: {ما يعبأ بكم ربي} معناها أن الله لا يكترث ولا يهتم بنا لولا دعاؤنا، فأصل (العبء) في اللغة الحِمل، و(العبء) أيضاً: العِدْل، لما يوضع فيه من أشياء تحمل؛ اهتماماً بما فيها من خير أو مصلحة. وإنما يحمل العقلاء ما له قيمة، أو لهم به مصلحة أو منفعة، أما ما لا مصلحة لهم به، فإنهم يُهملونه فلا يحملونه، ولا يجعلونه في أوعيتهم. ومن هنا يأتي قولهم: ما عبأت بك شيئاً: أي ما عددتك شيئاً. وقولهم: ما عبأت بفلان، أي: ما باليت به، أي: ما كان له عندي وزن ولا قدر، فصار المقصود: ما يهتم وما يكترث، وهو كناية عن قلة العناية.

وفي قوله تعالى: {لولا دعاؤكم} (الدعاء) الدعوة إلى شيء، والفاعل يدل عليه قوله سبحانه في الآية: {ربي} أي: لولا دعوة الله إياكم إلى دينه وطاعته، وشرعه فوقع منكم الكفر والإعراض، فتعين أن (الدعاء) في الآية الدعوة إلى الإسلام. والمعنى: أن الله لا يلحقه من ذلك انتفاع، ولا اعتزاز بكم. وهذا كقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} (الذاريات:56-57).


فهل لله عز وجل مصلحة لذاته لدى عباده؟

يقول العلماء إن الله سبحانه وتعالى تنزه سبحانه عن ذلك؛ فإن عبادة عابديهم لا تنفعه بشيء، وكُفْر كفارهم، وفجور فجارهم لا يضره بشيء، فهو سبحانه لا تنفعه عبادة العابدين، ولا يضره كفر الكافرين، ولا جحود الجاحدين، أو فجور الفاجرين. هذه الحقيقة جاء بيانها في الحديث القدسي فيما يرويه صلى الله عليه وسلم عن ربه، قال: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي، فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه) رواه مسلم.



فالحديث هنا يفسر معنى قوله سبحانه: {قل ما يعبأ بكم ربي} أي: ما يبالي بكم من أجل ذاته؛ لأنكم لن تبلغوا ضَرَّه فتضرونه، ولن تبلغوا نفعه فتنفعونه.

ولكن لماذا بعث الله لنا الرسول، وأنزل علينا الكتاب، ولماذا يرشدنا بالإقناع والمجادلة والترغيب، والترهيب، وسائر وسائل التربية؟ أليس هذا من مبالاته بنا؟ وعنايته بشؤوننا؟

السر في نزول الكتاب وإرسال الرسل رغم أن الله سبحانه وتعالى ليس في حاجة إلينا هو إنه سبحانه يعبأ بنا، ولكن ليس من أجل نفسه وذاته، بل من أجلنا نحن؛ رحمة بنا، واستيفاء لكل ما يلزم، لتبصيرنا وهدايتنا وإرشادنا في دعوتنا إلى سبل سعادتنا وفلاحنا ونجاحنا ونجاتنا من العذاب المـُعد لأهل الكفر والفجور والعصيان. فلولا دعاؤنا، أي: دعوتنا إلى سلوك الصراط المستقيم لسعادتنا ونجاتنا، ما كان ربنا سبحانه يعبأ بنا.



فعناية الله بنا هي من أجل مصلحتنا، واستيفاء شروط دعوتنا في رحلة امتحاننا في هذه الحياة الدنيا، ولولا ذلك لم يعبأ الله بنا من أجل نفسه وذاته، فهو سبحانه الغني العزيز مالك الملك، وهو على كل شيء قدير.

إلا أن الإنسان على الرغم من هذه العناية الإلهية البالغة بعباده من أجل نجاتهم لم يستجب لدعوته سبحانه، بل أصر على كفره، وعناده.

وعلى الرغم من هذه العناية الإلهية كذبتم الرسول المبعوث إليكم، وكذبتم بالقرآن، وكذبتم بالجزاء وبيوم الدين، وأصررتم على مواقف الكفر، وما لكم بذلك حجة تحتجون بها لدى ربكم، ولا عذر تعتذرون به ساعة حسابكم.

{فسوف يكون لزاماً} أي: سوف يكون تكذيبهم لزاماً لكم، أي: لازماً لكم، لا انفكاك لكم منه. وهذا تهديد بعواقب التكذيب تهديداً مخيفاً بما فيه من الإبهام، كما يقال للجاني: قد فعلت كذا، فسوف تتحمل ما فعلت.



وقال جمهور المفسرين إن المراد بـ (اللزام) هنا ما نزل بقريش يوم بدر، وهو قول عبد الله ابن مسعود، وأُبي بن كعب، ومجاهد، وغيرهم. وفي "صحيح مسلم" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام) يعني أن (اللزام) غير عذاب الآخرة. ومع هذا لا يمنع أن يشمل هذا التهديد كل من أعرض عن هدي ربه، وسلك غير سبيل المؤمنين. وقد جاء عن بعض أهل العلم قولهم: "فسوف يكون جزاء يلزم كل عامل ما عمل من خير أو شر".

اضافة تعليق