هل خلق الله العباد ليعذبهم؟.. تعرف على الإجابة من القرآن والسنة

الإثنين، 08 يوليه 2019 11:40 ص
علاج الهم والحزن والغلاء


تصيبنا الكثير من الهموم بسبب الابتلاءات ونقص الرزق والغلاء وعدم الأمن، وقد ذكر العلماء أنه ما نزل ابتلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة يقول تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}.

ويتصور الكثير من الناس أن الله سبحانه وتعالى خلق العباد لكي يشقوا في الأرض، نتيجة ما يتعرضون إليه من ابتلاءات وغلاء في المعيشة وصعوبات لا تنتهي من كد وسعي على طلب الرزق.

كما يفسر بعضهم قوله تعالى " لقد خلقنا الإنسان في كبد" على أن الله خلق الناس ليعذبهم، فيتضجر أغلب الناس، ويتملك منه اليأس نتيجة هذه الحياة الصعبة.

وفي عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب الغلاء الناس، فاشتكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي سعيد الخدري: أن يهوديا قدم زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثين حمل شعير وتمر فَسَعَّر مُدًّا بمد النبي صلى الله عليه وسلم وليس في الناس يومئذ طعامٌ غَيْرُهُ، وكان قد أصاب الناس قبل ذلك جوع لا يجدون فيه طعاماً، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس يشكون إليه غلاء السعر فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "لا أَلْقَيَنَّ الله من قبلِ أن أُعْطِيَ أحداً من مال أحدٍ من غير طيب نفس إنما البيع عن تراضٍ، ولكن في بيوعكم خصالاً أَذْكُرُها لكم: لا تَضَاغَنُوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا يسوم الرجل على سوم أخيه، ولايبيعن حاضر لباد، والبيع عن تراض وكونوا عباد الله إخواناً".

واشتكى الصحابة من الغلاء للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا: "يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا". فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو المسعر، القابض الباسط، الرازق. وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم أو مال".

 ولم يكن البلاء خاص بعامة الناس فقط، ولكن البلاء كان أشد على الأنبياء، فكم لقي النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب لتبليغ دعوة ربه، حتى أنه الله سبحانه وتعالى خاطبه في سورة "طه" قائلاً جل شأنه: "طه كما أنزلنا عليك القرآن لتشفى إلا تذكرة لمن يخشى".

وفي وقت الأزمات والغلاء على أفراد المجتمع أن يتكافلوا، فيكفل الغني الفقير ويودي حقهم من الزكاة والصدقات التي تعين الفقراء والمحتاجين على أعباء الحياة والغلاء، فتحمي المجتمع والناس من الفقر والحاجة وتخفف من الأعباء على الدولة.

كما أن إخراج الزكاة والصدقات سببًا للبركة ونشر الحب والترابط بين أفراد المجتمع.

يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم : "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له".

كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار كسبب من أسباب الغلاء، فقال: "من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد بري من اللَّه تعالى وبرئ اللَّه تعالى منه وأَيُّمَا أهل عَرْصَةٍ أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة اللَّه تعالى".

 وفي هذه الأيام نعاني من الغلاء، وتنبُّؤاتٌ بحُروبٍ وصِراعاتٍ، ونقصٌ من الأموال والأنفُسِ والثَّمرات، وتجديدٌ لوَعد الشيطانِ الناسَ بالفقر، وأمرِه لهم بالفحشَاء، وهي أحوالٌ مرَّت على النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن السورة التي تقي من الفقر سورة طه، فقد روى البخاري عن ابن مسعودٍ – رضي الله عنه – في سُورة بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء، قال: "هُنَّ من العِتاقِ الأُوَل، وهُنَّ من تِلادِي". يعني: من قديمِ ما يحفظُ ويقتَنِي.

فسورة طه من السور التي ترفع الغمة، وما أشد غمة الكفر التي ليس بعدها غمة، ولما لا وفي القصة المشهُورة في السيرة في إسلام عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قرأَ أولَ هذه السورة في صحيفةٍ عند أُختِه فاطِمة، فأسلَمَ .

كما أن طه سُورةٌ عظيمةٌ نزلَت لتأخُذ بيدِ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – على طريقِ الدعوة، وتُقيمَه على دَرب البلاغ.

فنزلَت سورة طه والنبي صلى الله عليه وسلم، مُستضعَف، وأصحابُه قليلُون يُؤخَذُون ويُعذَّبُون، وقريشٌ تُكذِّبُه وتُؤذِيه، ويقولُون: ساحرٌ، ومجنُون، وربُّه يأمُرُه بالدعوة والبلاغ: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ) [المدثر: 1، 2]، وأُممُ الكفر فارسُ والرُّوم تُحيطُ به، ولا شيءَ يلُوحُ في الأُفق، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يعلَمُ ما يُخفِي له الغيب، ولا يدرِي شيئًا عن مصيرِ هذه الدعوةِ التي كلَّفَه الله بها، وقومُه يُكذِّبُونَه وهو الصادقُ الأمين، ولا شيءَ أقسَى على الصادِقِ من أن يُكذِّبَه مَن حولَه.



 فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وتألم، (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام: 33]، (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 97- 99].

في هذه الأثناءِ تتنزَّلُ سُورةُ طه: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى * وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) [طه: 2- 9].

 وجاءت قصة موسى عليه السلام في سورة طه ذكرَه الله تعالى في هذه السُّورة، مثالَ الداعِية مثالاً عظيمًا من أُولِي العزم من الرُّسُل، ولهذا سمَّى بعضُ أهل العلم هذه السُّورة: "سُورةَ الكَليم".



وقد عالَجَ بني إسرائيل أشدَّ المُعالَجَة، ولقِيَ منهم ما لقِي، وهم السوادُ العظيمُ الذي رآهُ النبي صلى الله عليه وسلم قد سدَّ الأُفُق، إنه نبيٌّ اختارَه الله كما اختارَك، وألقَى محبَّتَه في القلوبِ كما ألقَى محبَّتَك، وصنَعَه الله على عينِه كما يصنَعُك – يا مُحمد – على عينِه، (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: 39].

ثم أشار الله تعالى إلى قصة آدم الذي خلقَه الله بيدِه، وأسجَدَ له ملائكتَه، (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه: 115].

وتبين ورة طه إن الإنسان مُحتاجٌ إلى عون الله، ولكن قبل مد يد العون له يجب عليه الإيمان والدعاء، كما فعل موسى: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) [طه: 25- 36].



ليكون الجزاء تجاه المُؤمنُ أنه لا خوفَ عليه في الدنيا والآخرة: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) [طه: 112].

 ويقول الله سبحانه وتعالى من أجل تحصيل جزاء الصابرين المؤمنين (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى * وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) [طه: 132- 135].

اضافة تعليق