ميزان يوم القيامة.. ما طبيعته؟ وكيف توضع فيه الحسنات والسيئات؟

الإثنين، 08 يوليه 2019 09:50 م
ميزان يوم القيامة
ميزان يوم القيامة حسي ستوزن فيه الحسنات والسيئات

الميزان هو أحد المواقف التي سيمر بها كل البشر يوم القيامة ضمن مواقف أو مراحل الحساب التي تسبق دخول الجنة- رزقنا الله إياها- أو النار- أعاذنا الله منها وأبعدنا عنها- وبالتالي فهو حقيقة إيمانية لا تتجزأ عن الإيمان باليوم الآخر .

وشرعًا: هو ميزان حقيقي، له كفتان يضعه الله - عزَّ وجل- يوم القيامة؛ لوزن أعمال العباد، وهو ميزان دقيق، لا يزيد ولا ينقص، ولا يَقْدِرُ قَدْرَ هذا الميزان؛ إلا الله تعالى.

فالميزان ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وهذه الآية تدل على دقة الميزان.

 ومن السُّنة: حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه، قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ".
وأجمع أهل السنة و السلف رحمهم الله على ثبوت ذلك وأن الميزان سيكون له وجود مادي وحسي يوم القيامة وله كفتان.

الميزان حسي له كفتان حسيتان:
ويدل على ذلك: حديث البطاقة، حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ، فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ، مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: "فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ، وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ".

قال الألباني رحمه الله: " والأحاديث في ذلك متضافرة، إن لم تكن متواترة ".
وموطن الشاهد من الحديث قوله: "فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ"، ففي هذا دلالة على أن الكفتين حسِّيتان.
الشىء الموزون
واختلف أهل العلم في الشّيء الموزون على أقوال:
فقيل: إنّ الأعمال نفسها تتجسّم عند الميزان، أخذا بالظّاهر.
وقيل: ثواب العمل يتجسّد ويوزن، كما يتجسّد ثواب القراءة وغير ذلك.
وقيل: توزن صحائف الأعمال، ويدلّ عليه حديث البطاقة والسجلاّت.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:" الصّحيح أنّ الأعمال هي الّتي توزن، وقد أخرج أبو داود والتّرمذي وصحّحه ابن حبّان عن أبي الدّرداء رضي الله عنه مرفوعا: (( مَا يُوضَعُ فِي المِيزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ أَثْقَلُ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ )).

والصّواب أن يقال بما دلّت عليه الأحاديث كلّها:
فالأعمال توزن لظاهر الأحاديث، والصّحائف توزن لحديث البطاقة، وإنّما تثقل بثوابها، فكان الثّواب هو الثّقيل.

وهناك وزن آخر للعباد دلّ عليه ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريْرَةَ رضي الله عنه عن رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ))، وقال: اقرَءُوا:{فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا}.

وما رواه أحمد بسند حسن - كما في حاشية الشّيخ الألباني على "الطّحاويّة" رقم (571)- عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: أنّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنْ الْأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتْ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ القَوْمُ مِنْهُ، فقالَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( مِمَّ تَضْحَكُونَ ؟)) قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ. فقالَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ )).
قال الحافظ رحمه الله:" وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة وخفّة السيّئة ؟ فقال: لأنّ الحسنة حضرت مرارتها، وغابت حلاوتها، فثقلت، فلا يحملنّك ثقلها على تركها، والسيّئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفّت فلا يحملنك خفّتها على ارتكابها".

اضافة تعليق