من أبرز أحداث شهر ذي القعدة

عمرة القضاء.. النبي يفي بالعهد ولا يغزو مكة رغم قوة المسلمين وضعف قريش

الجمعة، 12 يوليه 2019 01:10 ص
تعرف علي قانون  أبرهة الأشرم لبناء كعبته

عمرة القضاء هي العمرة المتفق عليها في صلح الحديبية بين رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وقريش، وهي العمرة التي تمَّت في أواخر العام السابع من الهجرة وعُرِفَتْ أيضَا باسم "عمرة  القصاص".
فقد كان مما أملاه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على سهيل بن عمرو، «عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ‏ ‏الْبَيْتِ،‏ ‏فَنَطُوفَ بِهِ». فقال سهيل:‏ والله لا تَتَحَدَّثُ‏ العرب أنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، ولكنْ ذلك من العام المقبل. فكتب .
ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من خيبر أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجب وشعبان وشوالا، ثم خرج في ذي القعدة في السنة السابعة - فبراير سنة 629 م - في الشهر الذي صدّه فيه المشركون بالحديبية معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها، واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الديلي ويُقال لها عمرة القصاص لأنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست فاقتص رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وأمر ألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية وخرج معهم غيرهم أيضا فكانوا ألفين سوى النساء والصبيان.

مخاوف قريش

وهكذا خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ألفين من أصحابه، وحمل معه سلاحًا كثيفًا، وأخذ عُدَّةَ حربٍ كبيرةً تحسُّـبًا لأي خيانة من قريش وساق معه  ستين بدنة وحمل السلاح والدروع والرماح وقاد مائة فارس خوفا من غدر أهل مكة فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، ولكنه كان ينوي دخول مكة -كما اتفق مع أهلها العام الماضي- بسلاح المسافر فقط، ورأت عيون قريش الأسلحة فَفَزِعَتْ، وأرسلت وفدًا برئاسة «مِكْرَز بن حفص» ليستوضحوا حقيقة الأمر، فقابلوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بطن يأجج  بمر الظهران، فقالوا له: يا محمد؛ والله ما عرفناك صغيرًا ولا كبيرًا بالغدر.. تدخل بالسلاح الحرم على قومك، وقد شرطتَ ألاَّ تدخل إلاَّ على العهد، وأنه لن يدخل الحرم غير السيوف في أغمادها؟!.
 وتحدثت قريش بينها أن محمدا في عسر وجهد فصفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة، ثم استلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف والمسلمون يطوفون معه، كان بين يديه لما دخل مكة عبد الله بن رواحة آخذا بخطام ناقته.
 وكان المشركون على جبل قيقعان ثم سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة على راحلته وبعد فراغه نحر هديه عند المروة وحلق رأسه هناك ثم أمر مائتين من أصحابه أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج - موضع على ثمانية أميال من مكة - يقيمون على السلاح ويأتي الآخرون ليقضوا نسكهم ففعلوا وأقام صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا كما شرطه قريش في الهدنة فلما كان الظهر من اليوم الرابع جاءه سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى فقالا: ننشدك العهد إلا ما خرجت من أرضنا فرد عليهما سعد بن عبادة رضي الله عنه فأسكته صلى الله عليه وسلم وأذن بالرحيل.
جاء في البخاري من حديث البراء فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليا رضي الله عنه فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

السلاح خارج مكة

وكانت قريش  قد وصلت إلى حالة من الضعف لا تستطيع فيها أن تُواجه قوَّة المسلمين، فكان هذا الفزع من القوَّة الإسلامية، وكان من الممكن أن يستغل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الفزع والهزيمة النفسية، وكان من الممكن أن يستغلَّ اقترابه من مكة إلى هذه الدرجة، وهو في ألفين من رجاله مدجَّجِينَ بالسلاح، كان من الممكن أن يستغلَّ ذلك كله في غزو مكة بحُجَّة استرداد الحقوق، أو بحُجَّة المعاملة بالمثل جزاء حصار الكفار للمدينة في غزوة الأحزاب؛ كان من الممكن كلُّ ذلك، لو كان القائد غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو كان الشرع الحاكم غير الإسلام، بحسب ما ذكره د.راغب السرجاني  في سرده لقصة "عمرة القضاء".
ويضيف:إن المسلمين عند عهودهم مهما كانت الظروف؛ ولذلك أجاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ثقة: «لا نَدْخُلُهَا إِلاَّ كَذَلِكَ». وسمع مِكْرَز الكلمة وطار مسرعًا إلى مكة يقول لهم: إن محمدًا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط الذي شرط لكم، لقد قال مِكْرَز هذه الكلمات وهو على يقين من تحقُّقها، وما دام قد قال –صلى الله عليه وسلم- فلا شَكَّ أنه صادق.
ووضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السلاح خارج مكة، وترك معه محمد بن مسلمة  في مائتي فارس لحمايته، ودخل هو وبقية الصحابة لأداء العمرة بالسيوف في أغمادها كما وَعَدَ.. وكان الاتفاق على أن تُخْلِيَ قريشٌ مكة بكاملها للمسلمين مدَّة ثلاثة أيام كاملة لأداء مناسك العمرة، وقد تمَّ ذلك، ووقف المشركون على رءوس الجبال المحيطة يُشاهدون مناسك العمرة طِبْقًا للشرع الإسلامي.
زواج  النبي من السيدة ميمونة
وتمَّت العمرة المباركة، وارتاحت قلوب المسلمين برؤية الكعبة والطواف حولها، ومرَّت الأيام الثلاثة بسرعة، وفي آخرها تزوَّج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ميمونة بنت الحارث العامرية الهلالية–رضي الله عنها، وهي خالة خالد بن الوليد من كبار زعماء قريش، وأخت أُمِّ الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- عَمِّ الرسول –صلى الله عليه وسلم، ولهذا الزواج بُعْدٌ سياسي واضح؛ فخالد بن الوليد ليس قائدًا هامشيًّا في مكة، بل هو أعظم قُوَّادها العسكريين مُطلقًا، وكان من الواضح أنَّ حِدَّة طباع خالد قد خَفَّتْ مع المسلمين جدًّا بعد وقعة الحديبية؛ لِمَا رآه من أحوالهم، ومن إحساسه أنهم مُؤَيَّدُون بقوَّة خارقة لا يعرفها، حتى إنه يوم الحديبية يصف الرسول –صلى الله عليه وسلم- وجيش المسلمين بقوله: «الرَّجُلُ مَمْنُوعٌ».
لقد غَيَّرَت الأحداث نفسية وسلوك خالد بن الوليد، وزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خالته سوف يُقَرِّبُ منه أكثر وأكثر، ولو حدث وأسلم خالد فإن هذه ستكون إحدى الضربات القاضية للكفر وللكافرين، وسبحان الله! فقد أسلم خالد -رضي الله عنه- بعد شهور قليلة من عمرة القضاء مُثْبِتًا بذلك عمق نظرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وبعد انتهاء الأيام الثلاثة المحدَّدة للعمرة جاء سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى موفدين من قِبَل قريش لحثِّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه على الخروج؛ فقالوا له بغلظة: إنه قد انقضى أجلك؛ فاخرج عنا. فأراد -صلى الله عليه وسلم- أن يتلطَّف معهم بالرغم من جفائهم، فقال لهم: «وَمَا عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَأَعْرَسْتُ  بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَصَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ؟».
لقد أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يكون طبيعيًّا تمامًا في تعامله معهم؛ بل أراد أن يكون ودودًا كريمًا مضيافًا يدعوهم إلى طعامه وشرابه واحتفاله بعُرسه، متناسيًا تمامًا تاريخهم الأسود معه.
أراد كل ذلك، وأرادوا هم غير ذلك!
لقد رَدُّوا عليه في جفاء الأعراب: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنَّا!
ورغم هذه المعاملة الجافَّة، ورغم قوَّة المسلمين وضعف الكافرين، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- احترم عهده وميثاقه، وخرج دون مماطلة، وانطلق دون تباطؤ إلى المدينة المنورة.

اضافة تعليق