"رب أخ لك لم تلده أمك".. أراد به "لقمان" شيئًا وتحول في الإسلام إلى شيء آخر

الإثنين، 22 يوليه 2019 09:19 ص
رب أخ لك لم تلده أمك



رب أخ لك لم تلده أمك.. عبارة تنسب لسيدنا لقمان الحكيم، الذي حباه الله سبحانه وتعالى بفصاحة اللسان وحكمة العقل

وقصة العبارة التي تلخص معنى الأخوة كما أوردها "الميداني" في مجمع الأمثال تحكي أن لقمان مر ذات يومٍ بخيمة تجالس فيها امرأة رجلًا، فطلب منهم أن يشرب، فأسقته المرأة وبينما هو يشرب لاحظ لقمان وجود طفل يبكي دون أن يهتم لأمره أحد.

فسأل المرأة لمن الطفل؟ ولماذا يبكي؟ فقالت: إنه لهانئ، وهانئ هذا زوجها، وهو لم يكن بالخيمة حينها، فسألها لقمان عن الشاب الذي تجالسه فقالت: هذا أخي، فقال لقمان حينها حكمته الشهيرة "رب أخ لك لم تلده أمك"، وكان يقصد بذلك أنه فطن إلى أن الرجل الذي يجالسها ليس أخاها.


وفي المساء، رأى الحكيم لقمان رجلًا يسوق غنمه متجهًا نحو الخيمة التي لجأ يشرب منها صباحًا، فلما مر به لقمان دعاه الرجل لضيافته، فشكره لقمان وقال له إنه استسقى امرأته صباحًا فسقته، وكان معها رجلًا تدعي أنه أخوها، فقال الزوج للقمان: وما أدراك أنه ليس أخاها.

فقال له لقمان: لو كان من يجالسها أخاها لما جعلها تجيبني نيابة عنه، وبعد أن تأكد هانئ من صدق قول لقمان فيما حدثه به، انتقم لشرفه، ومن وقتها أطلق هذا المثل على الصديق الذي يجالس صديقه دائمًا ويكون له بمثابة الأخ الذي لا يتورع عن مساندة أخيه.

وخروجًا من الخلاف حول حقيقة هذه القصة من عدمها ونسبها لـ لقمان الحكيم، إلا أن المثل سار دلالة على أهمية الأخوة بين الناس، والتعاون بينهم.

 ولقد أقر الله - سبحانه وتعالى - الأخوة بين المؤمنين في الإسلام، فقال في محكم كتابه:

 ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10]، والأخوة الخالصة لوجه الله الكريم، توجب للإخوة المؤمنين الجنةَ في الحياة الآخرة؛ لأنهم قد صنعوها بأخلاقهم في الحياة الدنيا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلَّق بالمساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعتْه امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه))؛ متفق عليه.

 والمحبة في الله درجةٌ من درجات الأخوة الإسلامية، التي توجب رضا الله وملائكتِه والأنبياء والشهداء؛ لقول النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-: ((حول العرش منابرُ من نور، عليها قوم لباسُهم نور، ووجوههم نور، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء))، قالوا: صِفهم لنا يا رسول الله، فقال: ((المتحابون في الله، والمتجالسون في الله، والمتزاورون في الله))؛ رواه مسلم.

فكثيرًا ما يضرب هذا المثل "رب أخ لك لم تلده أمك" في مواقف الشهامة والمؤازرة بين الأصدقاء ، فيشبهم الناس بالإخوة لأنهم يقفون إلى جوار بعضهم البعض، ولا يتخلى أحدهم عن الآخر، بالرغم من أن أصل المثل لم يضرب في واحٍد من تلك المواقف التي يتكاتف فيها الأصدقاء، بل على العكس ضرب كنوع من الهجو والسب لرجل وامرأة في زمن الحكيم لقمان.

فالأخوة قيمة من قيم التمكين والنصر لرسالة الإسلام، ونموذجٌ لمجتمع أخلاقي متماسك متعاون، مترابط برباط أقوى من رباط الدم، يستوعب التعددية، ويجمع الثقافات، في عقد لا ينقطع، ويروج لدين أسّس لقواعد أخلاقية، لم يكن العقل يتصورها، في تلاحم جعل المجتمعَ الإسلامي مجتمعًا متوهجًا بكل قيمة، وبكل فضيلة أخلاقية، فدعا الناس ليدخلوا في دين الله أفوجًا؛ من أجل أن ينالوا درجة الأخوة والمحبة في الله، فلقد ألَّف الله بين هذه القلوب، ووحدهم نحو رضاه، ووفقهم لما فيه النصر لدينه الحق، فقال - تعالى -: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 63].

ورسخت الأخوة في الله وفي الإسلام لمفاهيمَ اجتماعيةٍ وإنسانية، فالأخوة في الإسلام تضمن للمؤمنين الوقايةَ من جميع الأمراض الداخلية التي قد تعتري النفوس: كالكره، والبغض، والحسد، والغلظة، والتلاعن، والاستعلاء، وغيرها من هذه الأمراض الفردية، التي قد تنعكس على المجتمعات الإنسانية وتدعوها إلى الانحطاط والتراجع؛ وذلك لأن الإخوة المؤمنين من الطبيعي أن يأتمروا بأوامر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وينتهوا به.



فقد حث الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- الإخوة المؤمنين المتحابين في الله، على سلامة الصدور، والتحرر من هذه الأمراض، ففيما روى أنس، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ)).

 فأقل درجات الأخوة في الإسلام تبدأ بصفاء النية، وسلامة القلب من المسلم تجاه أخيه المسلم، وتنتهي بأعلى درجات العطاء والمنح: درجة الإيثار ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: 9].

اضافة تعليق