الإنصاف مع القريب والغريب.. كيف حقق النبي: "وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ"

الإثنين، 05 أغسطس 2019 10:43 ص
الإنصاف مع القريب والغريب



 حذر الله سبحانه وتعالى  من بخس أشياء الناس، ومعناها أن تشتري الشيء بأقل من حقه، أو تحاسب أجيرًا لديك بأقل ما يستحق أن يأخذ، أو بأقل ما يتقاضى مثله، الأمر الذي يزيد من القهر والظلم وينشر الحسد والبغضاء والكراهية وينشر الفقر، ويعود بالزمن إلى عهد السخرة والعبودية.

 ونص القرآن الكريم على هذه الذميمة وهي قضية "البخس" في سورة هود، قائلا سبحانه وتعالى على لسان شعيب: "وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (86).


فهذه آية عظيمة القدر في كتاب الله – عز وجل -حيث إنها تسهم إسهاماً كبيراً في تشكيل رؤية المسلم إلى أشياء كثيرة في عالم الأحياء وترتب على عدم الاهتداء بهدي هذه الآية كثير من الخلل في حياتنا المعاصرة .


وسياق الآية وإن كان يدل في ظاهره على أن المقصود المباشر بـ (أشياءهم) هنا ما يتبادله الناس في معاملات هم من المتاع ، إلا أن ما يملكه الناس ويتمتعون به من أخلاق وأفكار وتاريخ … أولى بإقامة العدل وإنزاله في منازله من غير وكس ولا بخس ولا شطط لما يترتب على الإخلال بذلك من الحقد والقطيعة والفرقة وذهاب الريح …

ونصت دعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام على إقامة الموازين والحكم بالعدل والإنصاف، لأنه بالعدل قامت السماوات والأرض، وقد أوصى الله تعالى رسوله محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يعلن لأمته أمر الله له بإقامة العدل فيها ، فقال : { وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } [الشورى : 15] .

وأوصى المؤمنين بإقامة العدل مع الناس كافة حتى الأعداء الذين يبغضونهم ويحاربونهم ، فقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [المائدة : 8] .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم لله بالشهادة فيعطي كل ذي حق حقه، وفي سيرته العطرة مئات الشواهد التي تفيد التزامه المطلق بإنزال الناس منازلهم ، وذكر محاسنهم وميزاتهم ، مهما كان انتماؤهم وحيث كان موقعهم فهذا هو يقول : ” أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل”. مع أن لبيد وقتها كان كافراً، وكان بإمكانه عليه الصلاة والسلام أن يثني على شعر بعض أصحابه المملوء حكمة وهدى بدافع حصر الخير فيهم ، ولكن الالتزام بالحق والإنصاف وعدم بخس أحد حقه يأبى ذلك فأثنى على كلام رجل كافر .

كما أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه سمع لبيداً ينشد البيت فلما قال: ألا كل شيء ماخلا الله باطل قال له عثمان : صدقت ، فلما قال : وكل نعيم لا محالة زائل قال له عثمان : كذبت نعيم الجنة ليس بزائل .

ونبه النبي صلى الله عليه وسلم النساء على ما يجري على ألسنتهن من انتقاص أزواجهن وجحد معروفهم عند أدنى خلاف فقال : ” أريتُ النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن ، قيل : أيكفرن بالله ؟ قال : يكفرن العشير ، ويكفرن الإحسان ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط .

وإن هذا الحديث يبرز قضية العدل إبرازاً يقل نظيره حيث جعل عليه الصلاة والسلام جحوده سبباً كبيراً لكثرة وجود النساء في النار ، وكأن كفران العشير يحدث في الحياة الزوجية من الشروخ والندوب ما يوازي الجرائم الاجتماعية الكبرى .


كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على حاتم الطائي رغم كونه كافرا، إلا أنه وصفه بأنه كان يحب مكارم الأخلاق، وعفا عن ابنته حينما وقعت في الأسر.

واقتدى الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم في إصدار الأحكام على الخصوم فضلاً عن الإخوة والرفاق ، فقد قاتل علي رضي الله عنه الخوارج وقاتلوه ثم قتلوه ، ولما سئل من قبل بعض الناس عنهم أمشركون هم ؟ قال علي بن أبي طالب : من الشرك فروا ، فقالوا : أفمنافقون ؟ قال : إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً – أي هؤلاء يذكرون الله كثيراً – قيل : فما هم يا أمير ألمؤمنين ؟ قال : إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا ! !.

وظل روح العدل والإنصاف سارياً في الأمة قروناً عديدة ، وتجلى ذلك بشكل واضح جداً في القواعد التي صاغها المحدثون في الجرح والتعديل حيث وضحوا الجوانب المختلفة لشخصية الراوي ، وحكموا على كل زاوية على حدة ، ثم انتهوا إلى حكم عام حوله ، وصار عندهم من الظواهر المألوفة أن يطلب أحدهم الدعاء من رجل فإذا جاءه حديث عن طريقه حكم على الحديث بالضعف لأن طلب الدعاء مبني على اعتقاد الصلاح ، أما قبوله روايته فيعتمد على شيء آخر كضبط الراوي وعلمه ونباهته ، وغير ذلك.

والرؤية التي يشكلها الإسلام لدى المسلم السوي في مثل هذا أن يشجع الأعمال الإيجابية ، ويثني عليها ، ويكون عوناً فيها ، فإذا رأى خللا نبه عليه ، وحذر منه وقام بالبلاغ المبين ، ولو جرى مثل هذا في المجتمع لساد الانطباع بالإنصاف لدى الفريقين ومَن بينهما من الناس ولأدى ذلك إلى تفتيت كتل المتشنجين والمتحاربين الذين لا يرون لغيرهم فضلا ، ولا يظنون فيمن خالفهم إلا سوءا .


كما يجب أن يتآخى بعض أهل الخير في الله ويسعون جهدهم لخدمة هذا الدين وأهله صفاً واحداً ، ثم تحدث اجتهادات أو أخطاء تؤدي إلى تباين وجهات النظر ، فتنشأ في الصف الواحد تيارات ومدارس ، وقد يتطور الأمر فيجد بعضهم الاستمرار مستحيلاً مما يجعله يقعد أو ينحو منحى آخر يجده أجدى وأنفع .

اضافة تعليق