المتاجرون مع الله.. عثمان وسعد وأبوالدحداح أربحهم

الخميس، 08 أغسطس 2019 12:09 م
28512033_2000610150264948_973408633_n

لا يشك مسلم في أن أربح التجارة هي ما كانت مع الله، تجارة سلعتها الطاعات وثمنها الحسنات، يُضاعَفْنَ من حسنة إلى عشر إلى سبعمائة وأكثر، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾.


والذين يجيدون هذه التجارة الرابحة هم من عرفوا الله فخشوه، ولم تنقطع صلتهم به قط، وكان همهم الأول والأخير رضاه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) ﴾، فسبحان الله الذي وهبَنا ما نتاجر به معه، ثم وفقنا إلى التجارة معه، وتفضَّل علينا بها، ثم هو يُعطينا أجر تلك التجارة كأحسن ما يكون الأجر والجزاء، فهو خيرُ أجر في خير تِجارة، ثم هو يَزيدنا مِن فضله فوق أجورنا، ويضاعف لمَن يشاء.

 

وأخبر سبحانه عن أن هذه التجارة مع الله جل وعلا حينما يريد بها المؤمن رضا الله، أنها تجارةٌ رابحة، وأن عاقبتها إلى خير؛ يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ*تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

إنها دعوة من الله سبحانه وتعالى للتجارة معه، تجارة لا تخسر ولا تبور، يبيع فيها المؤمن نفسه وماله لله سبحانه، والله يشتري الأنفس والأموال من عباده المخلصين الصادقين المؤمنين، والسلعة هي الجنة "ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة"، وإنه لجزاء كبير، وفوز عظيم، يتحصَّل عليه المؤمن المجاهِد بنفْسه وماله في الآخرة، أما في الدنيا فيبشر الله هؤلاء المخلصين بالنصر القريب منه، وإنما قال سبحانه: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا)؛ لأنها غير داخلة في الفوز العظيم، وإنما هي من فوز الدنيا الذي يمتنّ الله به على عبادِه الباحثين عن فوزِ الآخرة؛ ومن ذلك قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: َ"من كانتِ الآخرة همَّه جعَل الله غناه في قلْبه، وجمَع له شمْلَه، وأتتْه الدنيا وهي راغمة"
يقول المولى عز وجل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيل اللّه، وقد كرر هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع.

 

وعن عبد اللّه بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية، قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول اللّه وإن اللّه عزّ وجلّ ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول اللّه! قال، فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي عزّ وجلّ حائطي - قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها - قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عزّ وجلّ.

 

ويقول أيضًا سبحانه وتعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، وفي ذلك يروى أن عبيدالله بن العباس شقيق عبدالله بن العباس حبر الأمة، هو أول من سن في الإسلام سنة إقامة الولائم لإفطار الصائمين في رمضان، بل وأول من سن توزيع التمر على المصلين في المساجد عقب آذان المغرب، ويروى عنه أنه كان مسافرا إلى الشام بصحبة خادمه، فأمطرت، فبصر عن بعيد منزلا، فذهبوا إليه لاستضافتهم، وإذ برجل يبلغ من العمر عتيا فقالوا له نحن من المدينة ونريد الاستضافة فقال حياكم الله وسمح لهم بالمبيت، يقول خادم عبيدالله: رأينا أنه لا يملك إلا شاة واحدة فقال لزوجته آتيني بالسكين فقال له عبيدالله لا تنحرها رحمك الله فأنك لا تملك غيرها، فقالت زوجته اسمع كلام الضيف ونحن نسترزق بفضل الله بها، فقال والله الفقر أرحم إليّ من البخل واللؤم، ثم نحرها، وقال لزوجته لا توقظي أبناءك حتى يظل الطعام كله للضيوف فقط.. فأكل عبيدالله وصاحبه وناما، وفي الصباح قال عبيدالله لخادمه: لا تجارة لنا أعطي هذا المال والقافلة لهذا الرجل.. فقال خادمه، غفر الله لك نحر شاة وتعطيه ثمن قافلة، فقال عبيدالله لقد نحر كل ما يملك لكن القافلة ليست كل أملك، فقال الخادم إنه لا يعرفك.. فرد عليه ويحك إن لم يكن يعرفني فأنا أعرف نفسي.. أعطه القافلة وزده 500 دينار.

 

ويقول سبحانه أيضًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، ويروي عبدالله بن العباس سبب نزولها بقوله: "نزلت في صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وكان ذا مالٍ يُتاجر به، فلما اعترضوه عرَض عليهم عرضًا، وقال لهم رضي الله عنه وأرضاه: "إنكم لتعلمون أني من أشد الناس إصابةً في الرمي والسهام، فإن شئتم أن أُخلي بينكم وبين مالي، وتُخلوا بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهاجر إليه، وإما أن أنثر كِنانتي وأرميكم سهمًا من وراء سهم، ثم أبارزكم بالسيف"، فخلوا بينه وبين الهجرة، وأخذوا كل ماله الذي استبقاه لوجه الله جل وعلا، فلما أقبل على المدينة، قابله الصحابة منهم أبو بكرٍ رضي الله عنه وقال له: "ربح البيع صهيب، ربح البيع صهيب".

 

ومن قصص التجارة مع الله أيضًا، ما رواه سعد بن أبي وقاص، حينما مرض وعاده النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له يا رسول الله مرضت وأنا قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ فقال النبي لا، يقول: قلت: فالشطر –يعني النصف- يا رسول الله؟، فقال: لا، قلت: فالثلث يا رسول الله؟، قال: "الثلث، والثلث كثير أو كبير".

 

وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:‏ ‏ حدث في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أن أصاب الناس قحط، فلما اشتد بهم الأمر. ذهبوا إلى الخليفة، وقالوا له:‏ ‏"يا خليفة رسول الله، إن السماء لم تمطر، والأرض لم تنبت وقد توقع الناس الهلاك. فماذا نصنع؟"، فقال لهم:‏‏ "انصرفوا واصبروا، فإني أرجو ألا تمسوا حتى يفرّج الله عنكم فلما كان آخر النهار، وردت الأنباء بأن عيرًا لعثمان بن عفان، قد قدمت من الشام، وتصبح بالمدينة. فلما جاءت، خرج الناس يتلقونها، فإذا هي ألف بعير موسوقة بـُرّا وزيتًا وزبيبًا، فأناخت بباب عثمان، فلما جعل أحمالها في داره، جاءه التجار، فقال لهم: ماذا تريدون؟‏ ‏ فقالوا: إنك لتعلم ما نريد. بعنا من هذا الذي وصل إليك، فإنك تعلم حاجة الناس إليه.‏ ‏فقال عثمان: "حبّا وكرامة" كم تربحونني على شرائي؟‏ قالوا: الدرهم درهمين.‏ ‏ قال: أُعطيت زيادة على هذا.‏.  قالوا: أربعة.‏ ‏ قال: أعطيت أكثر.. قالوا: نربحك خمسة..‏‏ قال: أعطيت أكثر.‏. فقالوا: ما في المدينة تجار غيرنا، وما سبقنا أحد إليك، فمن الذي أعطاك أكثر مما أعطينا؟‏‏ قال: إن الله أعطاني بكل درهم عشرة. فهل عندكم زيادة؟‏..‏ قالوا: لا..‏‏ قال: فإني أشهد الله، أني جعلت ما حملت هذه العير صدقة لله على المساكين وفقراء المسلمين، ثم أخذ يُفرق بضاعته، فما بقي من فقراء المدينة أحد إلا أخذ ما يكفيه وأهله.

اضافة تعليق