يا من هجرت القرآن.. احذر: الرسول يشكوك إلى ربك

الخميس، 08 أغسطس 2019 01:47 م
12201815212046727013259



وَقالَ الرَّسولُ يا رَبِّ إِنَّ قَومِي اتَّخَذوا هذَا القُرآنَ مَهجورًا".. النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إلى الله ضد من يهجر القرآن، صحيح أنها نزلت في كفار قريش، لكن بالفعل المسلمون الآن اتخذوا القرآن مهجورا، فأصبح البعض يقرأ الآيات وكأنها لا تعنيه، بل حينما يقرأ قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا" لا يشعر أن الله يخاطبه، أصبحت تلاوة القرآن شيئاً بعيداً عن حياته، فهناك من يتلوه لكن لا يعمل به، وهناك من هجر سماعه، والإصغاء إليه، والإيمان به، وهذا ينطبق على معظم المسلمين، وهناك من يعلق في سيارته مصحفًا، ومن تدخل إلى محله التجاري ترى "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً"، ومن تدخل إلى بيته ترى الأسماء الحسنى، وآية الكرسي، لكن أين هو من أوامر القرآن ونواهيه؟، تراه لا يهتم.


لقد شكا الرسول صلى الله عليه وسلم قومَه إلى ربه لما هَجَروا القرآن؛ قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان: 30]، وللأسف فقد هجِرَ القرآنُ المجيد استماعاً، وارتبط استماع القرآن في أذهان كثير من النَّاس بالأحزان والسُّرادقات التي تقام للمآتم فقط.. كما هُجِرَ القرآنُ تدبُّراً، ولو أنزله الله تعالى على الجبال الرَّواسي الشَّامخات لتصدَّعت من خشيته، وهُجِرَ القرآنُ العظيم عملاً، فبدل أن يكون منهج حياة متكامل يصبح في واقع النَّاس - إِلاَّ مَنْ رحم الله - آيات تقرأ عند القبور، ويُهدى ثوابها للأموات، مع أنَّ هؤلاء الأحياء أحوج منهم إلى ثوابها.. وهُجِرَ القرآنُ الكريم استشفاءً وتداوياً، ولجأ النَّاس إلى السَّحرة والعرَّافين والدَّجَّالين يطلبون منهم الشِّفاء والدَّواء لأمراضهم.

والقرآن كلام الله.. أشرف الكلام وأفضله ومن شرفِهِ أنه نَزلَ على أشرف الأنبياء.. ومن شرفه أن كُلفت به أشرف أمة.. أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا يتطرق إليه شيء من الشك أو الريب (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الواقعة/75 - 80.


لقد تمسك السلف الصالح بالقرآن الكريم.. وحولوا تلك الآيات إلى منهج حياة متكامل.. بأوامره يأتمرون.. وبنواهيه ينتهون.. فكان القرآن مصدر عزهم وشرفهم وسيادتهم.. صاروا به قادة وسادة للأمم بعد أن كانوا رعاة للإبل والغنم.. ذاقوا طعمه وحلاوته.. ولذة مناجاة الله تعالى.. فجاهدوا في سبيله ليلاً ونهاراً.. وسراً وجهاراً.. غير مكترثين بأنفسهم وحياتهم الدنيوية..



هؤلاء عرفوا فضائل كلام الله التي لا تحصى ولا تعد.. التي لو عرف الناس في عصرنا هذا ما في تلاوته من فضاءل.. لما تركوا كتاب الله من بين أيديهم.. يتلونه آناء الليل وأطراف النهار.. ومن فضائل تلاوة كلام الله: تحصيل للأجر العظيم.. ونزول البركة والسكينة على من تلاه.. وكرامة لقارئ القرآن: في الدنيا، في القبر ويوم القيامة.


في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران، وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال، قال: كأنهما غمامتان أو ظلمتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حزقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما.



تفكر إذن.. في يوم القيامة.. في ذل الخلائق وانكسارهم واستكانتهم انتظاراً لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة.. وأنت فيما بينهم منكسراً كانكسارهم.. متحيراً كتحيرهم.. فكيف حالك وحال قلبك هنالك وقد بُدِّلت الأرض غير الأرض والسموات.. وطمس الشمس والقمر.. وأظلمت الأرض.. واشتبك الناس وهم حفاة عراة.. وازدحموا في المواقف شاخصة أبصارهم.. منفطرة قلوبهم.. فتأمل.. في طول هذا اليوم وشدة الانتظار فيه.. منتظر ما يجرى عليك القضاء بالسعادة والشقاوة.. يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.



وفي أثناء هذه الشدائد العظام تأتي سورة البقرة وآل عمران في صورة سحابة عظيمة تظلان صاحبهما.. ويأتي القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب.. يأتي وقد أخذ بيد صاحبه ليشفع له عند الله.. ويقول: يا رب.. إني أشهد لهذا الرجل بالصلاح والتقى.. فقد كان في الدنيا لا يشغله شيء عن ذكرك وتلاوة كتابك.. فقد كان يتلوه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك.. يا رب.. لقد منعته من النوم بالليل فشفعني فيه.. وعندها يأذن الله جل وعلا للقرآن أن يشفع في صاحبه.. في تلك اللحظات التي يتخلى فيها عن الإنسان أقرب الناس إليه (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) عبس/ 34..37.



يقول الإمام ابن كثير رحمه الله في بيان حال من هجر القرآن: (في الدنيا فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبه يتردد فهذا من ضنك المعيشة..)



- فمن يهجر القرآن.. يحشر يوم القيامة أعمى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} طه/124-126.. هذا لمن لم ينظر للقرآن في الدنيا بعينيه البصيرتين فتلاه.. ولم يعمل بمقتضاه.. ولكنه أعرض عنه.. وهجره.. فكان جزاءه من جنس عمله



- ومن يهجر القرآن.. يسلكه الله عذاباً صعداً (وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) الجن/17 فمَنْ منا يقوى على هذا العذاب؟



- ومن يهجر القرآن.. يقيض الله له قريناً من الشيطان (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) الزخرف/36 فهذا الذي هجر الذكر.. قيض له الله شياطين تضله وتهديه إلى صراط الجحيم



- ومن يهجر القرآن.. الحسرة والندامة يوم القيامة (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) الفرقان/28-29



- ومن يهجر القرآن.. يقع تحت شكوى النبي صلى الله عليه وسلم (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) الفرقان/30 وهي شكوى عظيمة وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن



- ومن يهجر القرآن.. يحرم شفاعة القرآن يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) صحيح مسلم وهذا المحروم حقيقة.. من حُرِمَ شفاعة القرآن يوم القيامة.. فهل يشفع القرآن في رجل هجره.. وأعرض عنه.. وأقبل على غيره من كلام البشر يقرأه.. أو يسمعه ؟



- ويختم لمن هجر القرآن بسوء الخاتمة فهل تريد أن تكون مع هؤلاء؟. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كالتمر لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر" صحيح مسلم.



فيا مَنْ هجرت القرآن.. تب إلى الله.. والحق قافلة العائدين إليه.. ورافق أهل القرآن حتى تكون منهم.. تفز بالسعادة في الدارين.

اضافة تعليق