بعد هجرة الصناعات اليدوية.. حرف الأنبياء مهددة بالاندثار

الثلاثاء، 13 أغسطس 2019 11:17 ص
مسلمون هجروا الصناعة والكسب من عمل اليد وحرف الأنبياء مهددة بالاندثار


شهدت الآونة الأخيرة، اندثار العديد من الحرف اليدوية والصناعات التاريخية في مصر، مثل النجارة والحدادة والحياكة والدهان وصناعة الأحذية، نتيجة هجر أهل هذه الحرف لها، والاتجاه للعمل في مجال "السواقة"، حتى أصبحت أغلب الأيدي العاملة تعمل في قيادة "التوك توك" أو التاكسي أو مشروع "أوبر"، الأمر الذي يهدد بانتهاء هذه الحرف التي عمل بها أغلب الأنبياء والرسل، حيث عمل نوح بالنجارة وإدريس بالحياكة ودواد بالحدادة والنبي صلى الله عليه وسلم بالتجارة ورعي الغنم.

 وتعبر الحرف اليدوية والصناعات التقليدية عن الهوية المصرية، حيث يعتمد الحرفى على مهارته وخبرته التى اكتسبها أثناء عمله بالوراثة، باستخدام الخامات الأولية المتوافرة، سواء كانت مستوردة أو محلية، إلا أن طلاب المدارس الذين كان يدفع بهم آباؤهم للورش والمصانع لتعلم الحرفة، أصبحوا يحيدون عنها، حتى أننا لا نجد طفلاً صغيرًا يعمل في أي ورشة كما اعتدنا ونحن في طفولتنا.


يقول "أحمد حسين"، أحد العاملين في صناعة العود الموسيقي المصنوع من الخشب، إنه يواجه أزمة حقيقية في البحث عن صبيان صغار يقوم بتعليمهم هذه الحرفة التي أوشكت على الانتهاء.

 واتفق معه "وافي أبو رندا"، أحد عمال قطاع الرخام، الذي يبلغ من العمر 35 عاما، ويؤكد أنه كان آخر طفل عمل في هذا المصنع الخاص بتصنيع الرخام، موضحًا أن صعوبة المهنة وخطورتها تدفع الكثير من الناس لهجرها، وعدم تعليم أبنائهم إياها.

وقال "محمد الونش"، صاحب ورشة نجارة، في تصريحات إلى موقع "amrkhaled.net" إن أكثر الحرف اليدوية، مهددة بالاندثار، وتشمل صناعة غرف النوم والقباقيب، والنجارة العربية الأرابيسك، والصدف، بالإضافة لصناعة المقشات البلدية، والحبال والخيوط، والتنجيد، والمشغولات الذهبية والنحاسية، والرسوجية وحدوة الحصان.

 وأوضح أن "قلة عدد العاملين بصفة مستمرة من أبرز المخاطر التى تواجه المهنة، فضلاً عن زيادة أسعار المواد الخام وارتفاع أسعار المنتجات"، داعيًا الدولة للاستماع إلى مشاكل أصحاب تلك المهن وتوثيق عملهم، خاصة فى ظل عدم توفر حماية تأمينية لهم، وعدم حصولهم على معاشات، مع ارتفاع أسعار الخامات والاحتكار، ما يدفع بعدد كبير من العاملين إلى التحول لمهن أخرى.

وطالب صاحب المبادرة، الدولة بدعم الحرفيين المصريين، حتى يتمكنوا من الوصول بمنتجاتهم إلى الأسواق الأجنبية التى تشهد طلبا على هذه المنتجات الشعبية، ذات الجودة العالية للخارج، فضلا عن دعم الورش بأدوات الأمن الصناعى للحماية.

موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من الحِرَف:

كان لدى العرب في العصر الجاهلي بعض الأعراف والعادات التي ساروا عليها، التي أثَّرت عليهم في حياتهم الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة؛ فقد كان العرب يحتقرون كثيرًا من الحِرَف، بينما كانوا لا يَأنَفون من الرعي ولا من التجارة، كما أنَّ الزراعة كانت محترمةً عند الحضَر، وأمَّا البادية فكانوا يحتقرون الزراعة ويَأنَفون منها.



 أمَّا الصناعة، فمنها ما هو مقبولٌ عند العرب في الجاهليَّة؛ كالغزل والنسيج الذي ينتشر عند الحاضرة والبادية دون احتقارٍ لمن يعمل ذلك عندهم، لكنَّهم -بعد ذلك- كانوا يحتقرون مَهنة الحدادة، ويُسمُّون (الحدَّاد) بالعبد أو بالقَين، وكلمة (القين) التي تعني (العبد الرقيق)، كانت مرتبطةً (بالحدَّاد) دائمًا.



 وفي جهاده صلى الله عليه وسلم لتغيير مفاهيم الناس الخاطئة نحو الحدادة، دَفَعَ الرسول بابنه إبراهيم إلى زوجة أبي سيف الحدَّاد لكي تُرْضِعَه، وكان الرسول يأتي إلى منزل أبي سيف ليرى ابنه إبراهيم ويُجالس أبا سيف الحداد؛ حتى يرى الناس منه هذا السلوك، فيقتدوا به في عدم احتقار حرفة الحدادة التي كانت تعدُّ عندهم من أدنى الحِرَف..



وإلى جانب ذلك كان الرسول يعمل بيده الشريفة مع أصحابه الكرام، فقد عَمِل مع أصحابه في بناء مسجد قُباء، وفي بناء مسجده صلى الله عليه وسلم كواحدٍ من المسلمين، وكان يأبى على المسلمين أن يحملوا عنه الحجارة، ويحمل كما يحملون، وقد عمِل الرسول صلى الله عليه وسلم مع المسلمين في غزوة الخندق، وكان يعمل في الحرف، حتى إنَّهم إذا عجزوا عن بعض الصخور قام صلى الله عليه وسلم بتكسيرها بيده الكريمة.



ورُوِي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "لأن يَحتطب أحدكم حُزمة على ظهره، خير ممن أن يسأل الناس أعطَوه أو منَعوه" .



كما ورَد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "مَا كَسَبَ الرَّجُلُ كَسْبًا أَطْيَبَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ"، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: "لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَا حِرْفَةٍ تَعَيَّشَ بِدِينِهِ".



كما ورد في الأثر عن عمر رضي الله عنه أنَّه إذا نظر إلى رجلٍ فأعجبه، قال: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا، قال: "سقط من عيني".

 أهم الحرف في عصر الرسول:

الصيد:

وقد اشتَهر أناسٌ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم بالصيد وامتهانه؛ إمَّا للعيش، وإمَّا لكونه رياضةً مفيدة، وكان من هؤلاء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه الذي اشتَهر بأنَّه صاحب صيد، وقد جاءت آيات القرآن لتُبيِّن احتراف المسلمين للصيد؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94].



جمع الحطب:

فقد كان جمع الحطب مصدرًا لرزق بعض الناس؛ حتى إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم شجَّع عليه، فقد قال: "لأن يأخذ أحدكم حبْله، فيأخذ حُزمة من حطبٍ، فيَبيع، فيكف الله به وجهه، خيرٌ من أن يسأل الناس؛ أُعطي، أم مُنِع".

وقد وضع البخاري بابًا في صحيحه سمَّاه باب: (بيع الحطب والكلأ).

الرعي وتربية الحيوان:

قال تعالى ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [ الأنعام: 5 - 8]، وما من نبيٍّ إلَّا ورعى الغنم، وقد اهتمَّ المسلمون بتربية الحيوانات؛ مثل: (الغنم - الإبل - الأبقار...).

الزراعة:

تعتبر الزراعة من أهم الحرف التي عرَفها الإنسان؛ لأنها تسدُّ حاجة طبيعيَّة لديه، فهي من أهمِّ المصادر الأساسيَّة للغذاء والكساء، ولقد شجَّع الإسلام على الزراعة؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: 141].

التجارة:

كانت التجارة عند قريش إبَّان ظهور الإسلام من أعظم الحرف والمِهن التي عرَفها العرب قاطبةً، وقد نزَل القرآن؛ ليُبين أهمية التجارة عند العرب؛ قال تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ* إِيِلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾[قريش: 1-4]، ولم يمنع الإسلام التجارة حتى في مواسم الحج؛ لأنَّ العمل الشريف عبادةٌ إذا خضَع للضوابط التشريعيَّة.



صناعة الأسلحة:

اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بالعمل والاحتراف اهتمامًا مباشرًا يتَّصل بمستوى إتقانهما وتطوُّرهما، نقدم نموذجًا رائدًا من اهتمامه صلى الله عليه وسلم بالحِرَف والصناعة، ويتمثَّل ذلك في حقل الأسلحة، وملاحقة التطوُّرات التي طرَأت عليها في عصره، ونكتفي هنا بذكر أهمِّ الأسلحة الحربيَّة التي استخدمها وطوَّرها، التي كانت توجَد في زمنه. وهي:

أ- الدبابة: وهي عبارةٌ عن عربةٍ كانت تُستخدم للاتِّقاء من السِّهام، وكانت تُصنع مغطَّاة بالجلد الغليظ، وتُستخدم لهدْم الحصون.

ب- الضبر: كان يُصنع بالخشب المغطَّى بالجلد، ويُستخدم للاتِّقاء من السهام من الخلف.

جـ- المنجنيق: هو سلاحٌ حربيٌّ يُستخدم لرمي الأعداء بالحجارة.

د- الحسَك: هو سلاحٌ ذو أشواك، يُفرَش حول الحصن والمعسكر؛ حتى تَصير الطريق صعبةً شائكة.



وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حصل على هذه الأسلحة واستخدمها في غزوة الطائف، بل إنَّه كان أوَّل من رمى بالمنجنيق ونثَر الحسَك، كما يقول ابن هشام، قال: "حدثني مَن أثِق به أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّل مَن رمى في الإسلام بالمنجنيق، رمى أهلَ الطائف".

بالإضافة إلى ذلك هناك حِرَفٌ علميَّةٌ وصحِّيَّةٌ كثيرةٌ أخرى، اهتمَّ بها الإسلام؛ مثل: (القراءة والكتابة، والترجمة، والطب، والتمريض، والحجامة، والحلاقة، والعطارة، والصيدلة).

حرف الأنبياء

كان آدم عليه السلام مزارعًا، وكان نوحٌ نجَّارًا صنَع السفينة بعون الله له، وكان إدريس حَائِكًا، وزكريا نجَّارًا، وكانت مهنة رعاية الأغنام من أهمِّ الحِرَف التي عرَفها الأنبياء عليهم السلام.



ولم يكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بِدعًا في هذا الطريق؛ فمن المعروف أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم نشأ في مكة -المدينة التجاريَّة الكبرى في جزيرة العرب- إلى جانب أنَّها المدينة المقدَّسة، وكانت لقريش رحلتان ثابتتان: إحداهما في الشتاء إلى اليمن؛ لأنَّ اليمن أدفأُ، والثانية بالصيف إلى الشام.

 ولمـَّا جاء (هاشم بن عبد مناف) سيِّد قريش، أمَرَ بنوعٍ من التكافل الاقتصادي والاجتماعي بين قريشٍ كلِّها -غنيِّها وفقيرها- حتى اقترب غنيُّهم من فقيرهم، وظهر الإسلام وهم على ذلك، وبالتالي فلم يكن في العرب بنو أبٍ أكثر مالًا ولا أعز من قريش.

وفي هذه البيئة ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أمرًا طبيعيًّا أن يَنزع الرسول إلى الرحلة بعد أن كان يرعى الغنم في صِغَره، ومن الوقائع الثابتة أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم خرج مع قوافل قريش عندما كان عمره يتراوح بين التاسعة والثانية عشرة، وذلك حين تعلَّق بعمِّه أبي طالب حين أزمَع السفر إلى الشام للتجارة، فأخذه معه في الرحلة التي التقى فيها أبو طالب بالراهب (بحيرا)، الذي تنبَّأ برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وخشِي عليه من اليهود لو عرَفوه، فخرج به عمُّه أبو طالب سريعًا حتى أقْدَمه مكة حين فرَغ من تجارته بالشام.




اضافة تعليق