يعرف مكان الماء بباطن الأرض وله تاج كالملوك

الهدهد.. عَلِم مالم يعلمه "نبي" وأهدى به الله ملكة وقومها

الأربعاء، 14 أغسطس 2019 10:00 ص
يعرف مكان الماء بباطن الأرض وله تاج كالملوك


الهدهد.. طير ذكي يعرف كيف يستدل على الماء حتى في باطن الأرض، إذ يضع منقاره في مكان الماء فيدل باقي الطيور والحيوانات، وعلى رأسه ريشا كأنه تاجٍ لملك.. ولعله أشهر الطيور على الإطلاق بسبب ذكره في القرآن الكريم مع نبي الله سليمان الحكيم.

حدث يومًا عبد الله بن عباس وفي القوم رجل من الخوارج يقال له نافع ابن الأزرق وكان كثير الاعتراض على ابن عباسـ، فقال له قف يا ابن عباس غلبت اليوم قال ولمّ؟, قال إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ ويحثو على الفخ ترابًا، فيجئ الهدهد ليأخذها، فيقع في الفخ فيصيده الصبي، فقال ابن عباس لولا أن يذهب هذا، فيقول دررت على ابن عباس لما أجبته ثم قال له ويحك إنه إذا نزل القدر عمى البصر وذهب الحذر فقال له نافع والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبدًا.


وفي قديم الزمان عاش نبي عظيم أتاه الله من الملك مالا ينبغي لأحد من بعده، هو سيدنا سليمان عليه السلام، سخر الله له الريح تجري بأمره، والجن يعملون في البناء والحرث.. وكان له جيش عظيم يضم الإنس والجن والوحوش المفترسة والطير.

وكان للهدهد الصغير مكانة رفيعة في جيش سليمان الحكيم، فكان عينه على كل من في الأرض من كائنات.

وكانتْ وظيفة الهدهد في جيش سليمان أنهم كانوا إذا احتاجوا الماء يأتي فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء؟ لأن الهدهد يرى الماء تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة بمشيئة الله تعالى. فلقدْ ذَكَرَ المفسّرونَ أنّ سليمانَ لما حَجّ خرَجَ إلى اليمنِ فوافى صنعاء وقت الزّوالِ فنَزَلَ ليصلّي فلمْ يجدِ الماءَ فتفقّدَهُ لذلكَ، "وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ".

 وعلى الفور توعد سيدنا سليمان، الهدهد، بالعذاب والذبح، قال: لأذبحنَّهُ أوْ ليأتيَني بسلطانٍ مبينٍ أي بحُجّةٍ لهُ فيها عُذرٌ ظاهرٌ على غيبتِه، "لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ سورة النمل/20-21.



وبعدها جاء الهدهد وعلم بوعيد نبي الله سليمان له، ولكن كان معه عذره، ولغيابه سبب مقنع، يقول الله تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}.

وقدم الهدهد عذره لنبي الله سليمان بأنه وجد امرأة تقود جيشاً كبيراً بأرض يقال لها (سبأ)، وهذه المرأة تملك من متاع الدنيا وزينتها ما يحتاج إليه الملك القوي، ولها عرش "سرير" عظيم مرصع بالجواهر واللآلئ الثمينة داخل قصر عظيم، وأنها وقومها يعبدون الشمس ويسجدون لها من دون الله تعالى.

 يقول تعالى مخبرًا عن حديث الهدهد لنبي الله سليمان: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)}، وتعجب الهدهد من عبادتهم لغير الله وكيف ان الشيطان أعمى بصائرهم وأفهامهم: {لَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)}.
ويرى المفسرون أن الهدهد ضرب مثلاً بأن الله يخرج الخبء في السموات والأرض لأنه يعيش هكذا يضرب بمنقاره الأرض فيخرج ما يأكله أو يشربه.

 وعندما علم سليمان عليه السلام بالخبر قال للهدهد سوف ننظر فيما تقول ونتأكد إن كنت من الصادقين أم الكاذبين، "قالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ".

 ثم كتب سليمان عليه السلام رسالة ليسلمها إلى ملكة (سبأ) يدعوها إلى الإيمان بالله تعالى، وطلب من الهدهد أن يلقي الرسالة في القصر دون أن يشعر به أحداً، ثم ينتظر ليرى ماذا تفعل هي وقومها. يقول تعالى: {اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ}.

 وعندما رأت الملكة بلقيس الرسالة ونظرت فيها، جمعت حاشيتها وأطلعتهم عليها ثم طلبت منهم أن يشيروا عليها ويرشدوها ماذا تفعل؟.



قال تعالى: {قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)}.

 وأخيرًا: قررت بلقيس أن ترسل إلى سليمان بهدية ثمينة لترى ماذا يفعل سليمان؟

 {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)}.



وعندما جاء المرسلون بالهدية ردَّ عليهم سليمان الهدية ودعاهم إلى الإسلام، فذهبت بلقيس ملكة سبأ إلى نبي الله سليمان وكان قد طلب من جنوده أن يحضر أحدهم عرشها ليختبرها هل ستعرفه أم لا، وأراها من الآيات والبينات ما يدل على أنه نبي من عند الله حتى تؤمن بالله عز وجل، وبالفعل هذا ما حدث، فعندما دخلت القصر رأت الماء يجري من تحت الزجاج الشفاف، فظنت أن أرض القصر مغمورة بالمياه فشمرت عن ملابسها حتى لا تبتل، ولكن عندما عرفت الحقيقة شعرت بضعف ملكها أمام ملك سيدنا سليمان عليه السلام وعلمت أنه نبي من عند الله اعطاه الله عز وجل المعجزات وسخر له كل شئ، فأسلمت وأسلم قومها.



يقول تعالى: {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)}.

وهكذا ظل سيدنا سليمان عليه السلام ينشر الإسلام في الأرض، حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو مستند على عصاه، فلم تعلم الجن بوفاته وظلوا يعملون بنفس الهمة والنشاط، حتى جاءت "الأرضة" وهى نوع من النمل ظل يأكل وينحر في عصا سليمان عليه السلام حتى وقع جسده على الأرض، وحينها علمت الجن بموت سيدنا سليمان عليه السلام .. قال تعالى: "فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ".

اضافة تعليق