"عمر" وولاته على البلاد.. نزاهة تفوق الخيال

الأربعاء، 14 أغسطس 2019 11:53 ص
حكايات مبكية عمر وولاته على البلاد.. نزاهة تفوق الخيال



كان الفاروق عمر مثلاً رائعًا في الزهد، ومتابعة عماله وولاته على البلاد، وكان لا يكفّ عن متابعتهم، وخاصة في الأموال، ولكن عماله أيضا كانوا على درجة عالية من النزاهة والشفافية.

ولما حج عمر قال: كم بلغت نفقتنا؟، فقال : ثمانية عشر دينارا فقال: ويحك أجحفنا بيت مال المسلمين.

ولما بلغ عمر الشام طاف بكورها حتى نزل حمص فقال اكتبوا لي فقراءهم فرفعوا إليه الرقعة فإذا سعيد بن عامر فقال من سعيد بن عامر قالوا أميرنا.

قال: فعجب وقال كيف يكون أميركم فقيرا؟، قالوا إنه لا يمسك شيئًا فبكى عمر.

 وبعث بألف دينار يستعين بها في حاجته فجعل يسترجع فقالت له امرأته مالك أصابك أمير المؤمنين بشر قال أعظم من ذلك أتتني الدنيا دخلت علي الدنيا وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائها بأربعين عاما) فو الله ما يسرني أني احتبست عن الرعيل الأول وأن لي به ما طلعت عليه الشمس.

قالت: فاصنع به ما شئت قال هل عندك معاونة قالت نعم فأتته بخمارها فصرّ فيه الدنانير صررا ثم جعلها في مخلاة وبات يصلي ويبكي حتى أصبح فأعرض جيشا من جيوش المسلمين فأمضاها كلها.

 فقالت امرأته رحمك الله لو حبست منها شيئا نستعين به، فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لو اطلعت امرأة من نساء الجنة إلى الأرض لملأت الأرض من ريح المسك، وإني والله ما أختارك عليهن فسكتت.

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلاً على حمص يقال له عمير بن سعد فلما مضت السنة كتب إليه أن يقدم عليه فلم يشعر به عمر، لأنه قدم ماشيًا حافيًا معه عكازته ومزوده وقصعته على ظهره، فلما نظر إليه عمر قال له يا عمير أخنتنا أم البلاد بلاد سوء؟.

فقال يا أمير المؤمنين، إنما نهاك الله أن تجهر بالسوء وعن سوء الظن وما ترى من سوء الحال، وقد جئتك بالدنيا أجرها بقرابها.

قال وما معك من الدنيا؟، قال عكازة أتوكأ عليها وأدفع بها عدوًا إن لقيته ومزودي أحمل فيه طعامي وإدواوتي، هذه أحمل فيها الماء لشربي وصلاتي وقصعتي هذه أتوضأ فيها وأغسل فيها رأسي، وآكل فيها طعامي فو الله يا أمير لمؤمنين ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي.

قال فقام عمر من مجلسه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فبكى، ثم قال اللهم ألحقني بصاحبي غير مفتضح ولا مبدل، ثم عاد إلى مجلسه، ثم قال ما صنعت في عملك يا عمير؟

 قال أخذت الرقة من أهل الرقة والإبل من أهل الإبل وأخذت الجزية من أهل الذمة، ثم قسمتها بين الفقراء والمساكين وابن السبيل فو الله يا أمير المؤمنين لو بقي منها عندي شيء لأتيتك به.

 فقال عمر عد إلى عملك فقال عمير أنشدك الله ألا تردني إلى عملي ولم أسلم منه حتى قلت لذمي أخزاك الله ولقد خشيت أن يخصمني له محمد صلى الله عليه وسلم ولقد سمعته يقول (أنا حجيج المظلومين) ولكن ائذن لي آتي أهلي فأذن له فأتى أهله.

فبعث عمر رجلاً يقال له خبيب بمائة دينار فقال ائت عميرا فانزل عليه ثلاثا فإن يك خائنًا لم يخف عليك في عيشه وأهل بيته وادفع إليه المائة دينار فأتاه خبيب فنزل عنده ثلاثا فلم ير له عيشا إلا الشعير والزيت فلما مضت الثلاث قال له يا خبيب إن رأيت أن تتحول إلى جيراننا فلعلهم أن يكونوا أوسع عيشا منا أما نحن فلو كان عندنا والله غير هذا لآثرناك به قال فدفع إليه المائة وقال قد بعثها إليك أمير المؤمنين فدعا بفرو خلق لامرأته فصرها الخمسة والستة والسبعة فقسمها.

فقدم خبيب على عمر فقال يا أمير المؤمنين جئتك من عند أزهد الناس وما عنده من الدنيا لا قليل ولا كثير فبعث إليه عمر وقال ما صنعت بالمائة يا عمير قال لا تسألني عنها قال فلتخبرني قال قسمتها بيني وبين إخواني من المهاجرين والأنصار قال فأمر له بوسقي طعام وثوبين قال يا أمير المؤمنين أما الثوبان فأقبل وأما الوسقان فلا حاجة لي بهما عند أهلي صاع من بر وهو كافيهم حتى أرجع إليهم.

ثم إن عمر رضي الله عنه صر أربعمائة دينار وقال للغلام اذهب بها إلى أبي عبيدة الجراح ثم تلكأ ساعة حتى ترى ما يصنع فذهب بها الغلام إليه وقال يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك قال وصله الله ورحمه ثم قال تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها.

ورجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد عد مثلها لمعاذ بن جبل وقال مر بها إلى معاذ بن جبل وتلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع فيها فذهب بها إليه وقال إن أمير المؤمنين يقول اجعل هذه في بعض حاجتك فقال رحمه الله ووصله ثم قال يا جارية اذهبي إلى فلان بكذا وإلى فلان بكذا فقالت امرأة معاذ ونحن والله مساكين أعطنا ولم يبق إلا ديناران قد حابهما إليها فذهب الغلام فأخبره فقال إنهم إخوة بعضهم من بعض.

اضافة تعليق