"الهمم الضائعة".. كيف كان النبي بعد الفجر.. وكيف أصبح المسلمون حتى مطلع الفجر؟

الإثنين، 26 أغسطس 2019 11:17 ص
الهمم الضائعة


أصبح الإنسان المسلم في وقتنا الحاضر مفتقدًا للهمة التي دل عليها الشرع جهادا مع الله سبحانه وتعالى ومصداقا لقوله تعالى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين".

وأصبحت الأخطار تهدد المسلمين فأصبحوا يعبثون بالوقت والصحة والمال وتضييعها على المتع التافهة.

 ويأتي فقدان الهمة بسبب السهر الطويل للرجال والنساء حتى ساعات الفجر، ثم الاستيقاظ مع صلاة الظهر ، هذه واحدة من أهم الممارسات الشائعة للعبث بالوقت والصحة والمال.

فمن بين كل عشر مراجعات للعيادات الطبية تشتكي سبع أو ثماني سيدات من عسر الهضم وحرقة المعدة وانتفاخ البطن والإجهاد السريع وضيق التنفس.

عندما تسأل إحداهن عن برنامج حياتها اليومي تكتشف أنها تسهر حتى ساعات الفجر أمام التلفزيون، ثم تنام حتى الظهر، لتستيقظ بمزاج البائس التعيس الذي لم يرَ نور الصباح ولم يستنشق هواء نقيًا منذ أعوام طويلة.

وبالفحص الطبي يتضح عند هذا النوع من ربات البيوت مجموعة من الأمراض الناتجة عن العبث بالوقت والحياة ومنها:

ارتخاء عضلة المريء وملء الأمعاء بالغازات المتخمّرة من وجبة العشاء المتأخرة.، وغرق الكبد في الدهون وفقر الدم، وضمور عضلات الأطراف رغم ضخامة الجذع والبطن، و طاقة التنفس هزيلة والعظام هشة بسبب نقص فيتامين د وعنصر الكالسيوم، لانقطاع التعرُّض لأشعة شمس الصباح.

وما هي إلا سنوات قليلة ثم يداهم مثل هذه السيدة مرض السكري والكوليسترول وحصوات المرارة وارتفاع ضغط الدم، ثم تتحوّل إلى عالة على منزلها ومصدر نزيف مالي مستمر على الأدوية والاستشارات الطبية.

وعلى النقيض تجد العاملة الآسيوية التي لا يزيد وزنها على خمسين كيلوجرامًا، قادرة على العمل لمدة اثنتي عشرة ساعة متواصلة دون آلام عضلية ولا لهاث في التنفس ولا انتفاخ في الأمعاء، تضع رأسها على المخدة قبل منتصف الليل فتستمتع بنوم عميق مريح ثم تصحو في السادسة صباحاً  مع الطيور.

لكن تنازلت ربة البيت في الدول العربية عن استثمار وقتها فيما يفيد، وأهملت الشروط الضرورية لاكتمال الصحة وتعللت بخدعة نقص فيتامين د المزعوم بل ودفعت المال للعاملة لتنوب عنها في إدارة المنزل.

ضحّت بكل ذلك مقابل السهر ساعات إضافية على مسلسلات وبرامج تافهة في الفضائيات.

هذا النموذج من ربات المنازل لا يتواجد فقط في الطبقات الغنية المرفّهة ، بل تجده في أغلب البيوت حتى في أبعد قرية عن العمران، فالشبان والشابات من طلبة المدارس والجامعات، مصابون أيضًا بداء السهر وبنفس العلل الصحية المترتبة عليه، لأنهم يسهرون حتى بعد منتصف الليل على أجهزة الدردشة وبرامج التلفزيونن كذلك الرجال لديهم نفس الاعتلالات والأمراض؛ لأنهم يدمنون السهر في المقاهي وملاحق المنازل، ويتناولون وجبات عشاء دسمة بعد منتصف الليل من أقرب مطعم فيصبح الحال من بعضه.

قبل عدة سنوات، كان الناس ينامون بعد صلاة العشاء بساعتين على الأكثر، وينهضون مع بواكير الفجر الأولى مكتملي الحيوية والنشاط ، ومع طلوع الشمس ينصرف كل طرف إلى مهماته اليومية، فكانت آنذاك كانت معدّلات الإصابة بالسكري وضيق الشرايين وتصلُّب المفاصل والاعتلالات الهضمية تكاد تكون صفرًا .

فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)) [رواه مسلم] .

فيدعو النبي صلى الله عليه وسلم إلى توليد قوة دافعة تحرك قلب المؤمن، وتوجهه إلى إقامة الطاعات، وتجنب المعاصي والمخالفات، وإلى بعث الهمة وتحريكها واستحثاثها للتنافس في الخيرات، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر.

فقال صلى الله عليه وسلم : ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا)) [رواه البخارى ومسلم] .

أنواع الناس

وينقسم الناس وتتفاوت منازلهم في الهمة:
1 – منهم من يطلب المعالي بلسانه وليس لـه همة في الوصول إليها ويصدق عليه قول الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

2 – ومنهم من لا يطلب إلا سفاسف الأمور ودناياها ويجتهد في تحصيلها ، وهذا –إن اهتدى– يكون سباقاً للخيرات: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا".

3 – وفريق ساقط الهمة يهوى سفاسف الأمور ويقعد به العجز عنها، فهو من سقط المتاع وهو كمن وصف الشاعر:

إني رأيت من المكارم حسبكم *** أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا
فإذا تذوكرت المكارم يوما *** في مجلس أنتم به فتقنعوا

4 – وأعلى الهمم همة من تسمو مطالبه إلى ما يحبه الله ورسوله فهنيئاً له ومن أمثالهم الأسلمي وعكاشة بن محصن وبين كل مرتبتين مراتب كثيرة تتفاوت فيها الناس تفاوتاً بينا.
ويقول طرفة بن العبد :

إذا القوم قالوا: من فَتىً؟ خِلْتُ أنني *** عُنِيتُ فَلَمْ أكْسَلْ ولم أتَبَلَّدِ

وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه على فراش الموت: "اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا ولا طول المكث فيها لجري (لعله لكري) الأنهار ولا لغرس الأشجار ، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل وظمأ الهواجر في الحر الشديد ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر".
نماذج من علو همة النبي صلى الله عليه وسلم :
- روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المسلمين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل)) [رواه البخارى].

- وكان صلى الله عليه وسلم القدوة في الهمة العالية في العبادة. فعن عائشة رضي الله عنها قالت : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له : لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : ((أفلا أكون عبدًا شكورًا)) [رواه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى] .

اضافة تعليق