الهجرة إلى الحبشة.. تدريب وتمهيد لرحلة يثرب وبداية انطلاق الدعوة خارج جزيرة العرب

الخميس، 29 أغسطس 2019 07:32 م
الهجرة إلى الحبشة 2
الهجرة إلى الحبشة كانت بداية لانطلاق الدعوة خارج جزيرة العرب

تعتبر هجرة المسلمين إلى الحبشة (في السنة الخامسة من البعثة)  أول انطلاق للدعوة الإسلامية خارج جزيرة العرب، وكانت بمثابة تمهيد وتدريب للهجرة الكبرى من مكة إلى يثرب (في السنة العاشرة في البعثة).

إن أصحاب الدّعوات والرّسالات يدركون أنّ طريق الدّعوة ليس مفروشاً بالورود والرّياحين، بل يحتاج إلى بذلٍ وتضحيةٍ لتحقيق مراده وتبليغ شرائعه، وقد ضحّى أنبياءُ الله جميعاً -عليهم السّلام- لأجل هذه الغاية، وهاجر منهم من هاجر، وأوذي منهم من أوذي، ولم يكن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بِدعاً من الرُّسل، فقد واجه صنوفاً من الأذى من مُشركي قريش في مرحلة الدعوة المكيّة، كما اجتمعت على أصحابه -رضي الله عنهم- الذين آمنوا بدعوته ابتلاءات كثيرة، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله -تعالى- وما ضعفوا، بل ثبتوا في كلّ ميادين التّضحية.

وعندما استمرت قريش في تعذيب من يدخل في دين الإسلام ممن لم يكن لهم عشيرة تمنعهم، فكان الاستمرار في هذا الوضع غير ممكن ، من عدة جهات وأبعاد:

 فمن جهة أصبح لابد لهؤلاء المعذبين من العثور على موضع أمل لهم ، يساعدهم على تحمل المشاق ، ومواجهة الصعاب ، ويجعلهم أقدر على مقاومة الضغوط التي يتعرضون لها من قبل من رفضوا أن يعترفوا بألوهية وحاكمية فوق ألوهيتهم وحاكميتهم ، وآثروا الاستكبار والعناد على الرضوخ والانقياد .

ومن جهة ثانية : فإن استمرار هذا الوضع الذي يواجهه المسلمون ، المليء بالآلام والمشاق ، لسوف يقلل من إقبال الناس على الدخول في الإسلام ، ما دام أن هذا الدخول لا حصاد له سوى الرعب ، والتعذيب والمصائب .

ومن جهة ثالثة : فقد كان لا بد من تسديد ضربة لكبرياء قريش وجبروتها ـ ولو نفسياً ـ لتدرك : أن قضية الدين تتجاوز حدود تصوراتها وقدراتها ـ وأن عليها : أن تفكر بموضوعية وعقلانية أكثر ، فكان أن اختار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين الهجرة إلى الحبشة، وكانت هجرتهم إليها في السنة الخامسة من البعثة .

 وكان الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- يتألّم لألم أصحابه رضي الله عنهم، ولأجل ذلك وجّههم النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- للهجرة إلى الحبشة حتى يأذن الله -سبحانه- بالفرج على الدّعوة وأنصارها؛ فمتى كان ذلك، ولماذا الحبشة على وجه التحديد، وما هي الأسباب التي دعت إلى هذه الهجرة؟.

 أسباب الهجرة إلى الحبشة

 لم تكن فكرة الهجرة إلى الحبشة ناشئةً من حاجة اقتصاديّة أو مصلحة سياسيّة، بل كان الهدف الرئيس منها تأمين الحماية لحريّة الدّعوة، وممارسة العبادة على منهج التوحيد، ونبذ الشِّرك، الأمر الذي ترفضه قريش بقوّة؛ حيث كان المسلمون يواجهون صنوف العذاب والاضطهاد، والصّد عن ممارسة الدعوة والعبادة والطواف حول الكعبة، كما كانوا يواجهون حرب إبادةٍ وتصفيةٍ جسديّةٍ، فظهرت الحاجة الماسّة للبحث عن تكوين مُنطلَق آمن يهدف إلى استمرارية الدّعوة وحماية أتباعها، وكان هذا الخيار الحكيم دليلاً على القيادة الواعية للنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حيث أحسّ بضرورة تأمين الحماية للمُسلمين الجُدد، وتوفير البيئة الآمنة لضمان استمراريّة الرسالة وتبليغها.

أسباب اختيار الحبشة
 إنّ اختيار النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لأرض الحبشة مكاناً لهجرة المسلمين المُضطهَدين من مكّة يدعو للتّساؤل عن سبب هذا الاختيار، وتظهر الرؤية الثاقبة للنبي -صلّى الله عليه وسلّم- بالحقائق الآتية:
- حاجة المسلمين إلى بلد تُصان فيه حقوقهم الدينيّة، وحُكمٍ لا يُساء فيه إليهم، فكانت الحبشة اختيار النبي -صلّى الله عليه وسلّم- حيث قال: (إنَّ بأرض الحبشة مَلِكاً لا يُظلَم أحدٌ عنده، فالحقوا ببلادِهِ حتّى يجعلَ اللهُ لكُمْ فرَجاً ومخرَجاً ممّا أنتُمْ فيه).
- الإحساس أنّ أهل الحبشة أكثر تعاطفاً من غيرهم مع المسلمين المُضطهَدين؛ فهم أهل كتاب، وقد أكّد القرآن الكريم على هذا، قال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ).
- دولة الحبشة دولة مستقلة لا تتبع لأحد ولا سَطوة لقُوى عظمى عليها، فهي تحكم نفسها بنفسها، وذات قوة سياسيّة واقتصاد قويّ وموارد ماليّة تمنع قريش من التفكير في مهاجمتها أو غزوها، فأقصى ما فعلته قريش هو إرسالها وفداً رسميّاً تطلب فيه عودة المهاجرين إليها.
- البُعد المكانيّ عن مكة المكرمة شكّل تحديّاً كبيراً أمام كفار قريش لإلحاق الأذى بالمهاجرين المسلمين، ممّا وفّر الأمن النفسيّ لهم. موقف قريش من هجرة الحبشة عجزت قريش عن منع المسلمين من الهجرة إلى الحبشة، وقد وصل عدد المهاجرين إليها سرّاً إلى اثنين وسبعين رجلاً واثنتي عشرة امرأة.

هجرة الحبشة الأولى
وفي شهر رجب سنة خمس من البعثة النبوية هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة‏.‏ كان مكونًا من اثنى عشر رجلًا وأربع نسوة، رئيسهم عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهما‏:‏ ‏(‏إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام‏)‏
كان رحيل هؤلاء تسللًا في ظلمة الليل ـ حتى لا تفطن لهم قريش ـ خرجوا إلى البحر ويمموا ميناء شعيبة، وقيضت لهم الأقدار سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة، وفطنت لهم قريش، فخرجت في آثارهم، لكن لما بلغت إلى الشاطئ كانوا قد انطلقوا آمنين، وأقام المسلمون في الحبشة في أحسن جوار‏.‏

سجود المشركين مع المسلمين وعودة المهاجرين

وفي رمضان من نفس السنة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرم، وفيه جمع كبير من قريش، فيهم ساداتهم وكبراؤهم، فقام فيهم، وفاجأهم بتلاوة سورة النجم، ولم يكن أولئك الكفار سمعوا كلام الله من قبل؛ لأنهم كانوا مستمرين على ما تواصى به بعضهم بعضًا، من قولهم‏:‏ ‏{‏لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏26]‏ فلما باغتهم بتلاوة هذه السورة، وقرع آذانهم كلام إلهي خلاب، وكان أروع كلام سمعوه قط، أخذ مشاعرهم، ونسوا ما كانوا فيه فما من أحد إلا وهو مصغ إليه، لا يخطر بباله شىء سواه، حتى إذا تلا في خواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏62‏]‏ ثم سجد، لم يتمالك أحد نفسه حتى خر ساجدًا‏.‏ وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين، فما تمالكوا أن يخروا لله ساجدين‏.‏

وسَقَطَ في أيديهم لما أحسوا أن جلال كلام الله لَوَّى زمامهم، فارتكبوا عين ما كانوا يبذلون قصارى جهدهم في محوه وإفنائه، وقد توالى عليهم اللوم والعتاب من كل جانب، ممن لم يحضر هذا المشهد من المشركين، وعند ذلك كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافتروا عليه أنه عطف على أصنامهم بكلمة تقدير، وأنه قال عنها ما كانوا يرددونه هم دائما من قولهم‏:‏ ‏(‏تلك الغرانيـق العلى، وإن شفاعتهم لترتجى‏)‏، جاءوا بهذا الإفك المبـين ليعـتذروا عـن سجودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس يستغـــرب هـذا مـن قـوم كانوا يألفون الكذب، ويطيلون الدس والافتراء‏.‏

وبلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة، ولكن في صورة تختلف تمامًا عن صورته الحقيقية، بلغهم أن قريشًا أسلمت، فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة، فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار وعرفوا جلية الأمر رجع منهم من رجع إلى الحبشة، ولم يدخل في مكة من سائرهم أحد إلا مستخفيًا، أو في جوار رجل من قريش‏.‏

ثم اشتد عليهم وعلى المسلمين البلاء والعذاب من قريش، وسطت بهم عشائرهم، فقد كان صعب على قريش ما بلغها عن النجاشي من حسن الجوار، ولم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم بدا من أن يشير على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى‏.‏

هجرة الحبشة الثانية
ثم استعد المسلمون للهجرة مرة أخرى، وعلى نطاق أوسع، ولكن كانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها، بيد أن المسلمين كانوا أسرع، ويسر الله لهم السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا‏.‏

وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلًا إن كان فيهم عمار، فإنه يشك فيه، وثماني عشرة أو تسع عشرة امرأة‏.‏

وفد قريش إلى النجاشي
عندها جُنّ جنون قريش، وخشيت أن يُفسد وجود المسلمين فيها العلاقات التجاريّة بين قريش والحبشة، وبرزت مخاوف من قدرة المسلمين على نشر الدّعوة الإسلاميّة فيها، أو تشكيل حلف عسكري مع الأحباش يُمكّنهم من مهاجمة قريش في مكة؛ فالأحباش قد ساعدوا نصارى اليمن على التخلص من اضطهاد يهود حِمير.

ولهذه الأسباب أرسلت قريش وفداً أمّرت عليه عمْرو بن العاص إلى النّجاشي ملك الحبشة؛ لتشويه صورة المهاجرين من المسلمين بأنّهم خرجوا عن طاعة زعمائهم وقادتهم من قريش، وأتوا بدين جديد يُخالف عقائد آبائهم وأجدادهم، وحاولوا تأجيج مشاعر النجاشيّ ضدّ المسلمين عندما أخبروه بأنّ دين المسلمين لا يعترف بعقيدة أهل الحبشة في شأن نبيّ الله عيسى وأمّه مريم عليهما السّلام، لكنّ النجاشيّ عندما استمع إلى ردّ المسلمين على ادّعاءات قريش وحاورهم في شأن عيسى -عليه السّلام- أمر بتوفير الحماية والرّعاية للمهاجرين المسلمين، وردّ وفد المشركين دون تحقيق مُرادهم.

عِبَر وعِظات من هجرة الحبشة
تظهر أهميّة هجرة المسلمين إلى الحبشة من العِبر والعِظات التي يمكن استخلاصها، منها: الثبات والتّمسك بالدّين من أعظم التّضحيات. الوطن، والأرض، والنفس، والمال إمكاناتٌ وقِيمٌ ومكتسباتٌ عظيمةٌ، يجب توظيفها في نُصرة الدّين ونشره، وإقامة الهداية في العالمين. الهجرة ومفارقة الأوطان هي بحدّ ذاتها نوع من الألم، ولذلك فإنّ الهجرة إلى الحبشة لم تكن للبحث عن الدّعاية والراحة، وإنّما هي استراتيجيّة لتمكين الدعوة، وشحذ طاقات المُسلمين الجدد.

الهجرة إلى الحبشة كسبت تأييد النّجاشي وهو من أهل النصرانيّة الصحيحة، فكان موقفه واضحاً ومؤكِّداً على وحدة العقيدة في الرِّسالات الإلهيّة، وأنّ عيسى ومحمّداً -عليهما الصّلاة السّلام- جاءا بعقيدة التّوحيد ونبذ الشِّرك بالله تعالى، وتحوّلت هذه القناعات في نفس النّجاشي إلى حقيقة واقعة بعد أن أعلن دخوله في الإسلام. جواز دخول المسلم في حماية الكتابيّ أو المشرك إذا دعت الضرورة لذلك؛ شريطة ألّا يؤثّر ذلك على سلامة عقيدته الإسلاميّة، أو يتنازل عن بعض أحكام التّشريع.

عثمان بن مظعون.. وجوار الوليد

وللصحابي عثمان بن مظعون رضي الله عنه قصة كما يذكر المؤرخون ، وهي أنه لما رجع من الحبشة مع من رجع ، بعد شهرين من الهجرة ، وفوجئ بأن الأمر بين المشركين والنبي (صلى الله عليه وآله) لا يزال على حاله ، دخل مكة بجوار (أي في حماية) الوليد بن المغيرة .
ولكنه لما رأى ما فيه المسلمون من البلاء ، وهو يغدو ويروح في أمان ، صعب عليه ذلك ، فمشى إلى الوليد فرد عليه جواره ؛ فقال : يا بن أخي ، لعله آذاك أحد من قومي ؟
قال : لا ، ولكني أرضى بجوار الله عز وجل ، ولا أريد أن أستجير بغيره .
قال : فانطلق إلى المسجد ، فاردد علي جواري علانية ، كما أجرتك علانية ، فانصرف معه ، ورد عليه جواره علانية في المسجد .

اضافة تعليق