كيف تأخذ بالأسباب وتسلك سبل النجاح؟.. الهجرة تكشف لك معالم الطريق

السبت، 31 أغسطس 2019 12:56 م
غار


 

 

يظن بعض المسلمون أن الإرتكان للأمر الواقع هو من باب الرضا بالقضاء والقدر الذي قدره الله علينا، حتى أصبحت الاتكالية من الأمراض الخطيرة التي هدت كيان الأمة الإسلامية، بعدما أصبحت غير قادرة على الأخذ بالأسباب، فضاعت الأمة، وهدمت حضارتها العلمية وحل محلها الحضارة الانهزامية.

 

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل والقدوة في الأخذ بالأسباب في الهجرة النبوية الشريفة، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ليعلمهم وليمهد البيئة في المدينة المنورة لقدوم المصطفى صلى الله عليه وسلم والمهاجرين.


وألمح النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر بالهجرة قائلا: " على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي " وهنا استعد أبو بكر للصحبة وحبس نفسه على الهجرة.

 
كما أمر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة بأن يترك بيته هذه الليلة فقال : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، وهذا قمة الأخذ بالأسباب الدنيوية.

 
وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم في العمل والتدبير والأخذ بأول الأسباب من تجهيز العدة للهجرة، وقام بشراء بعيرين بعلفهما مدة كافية (أربعة أشهر) حتى يتحملا مشقة السفر و وعورة الطريق، كما عمل على اختيار الدليل الخبير بالطريق، وسار بهم الدليل في طريق وعرة، بعيدة عن مدارك الكفار والمشركين، حيث استأجر المصطفى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الدبك، وهو من بني عبد بن عدي فدفعا إليه راحلتيهما صبح ثلاث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق الساحل كما ورد في البخاري.


ولم يترك النبي صلى الله عليه وسلم فراشه إلا بعد أن خطط لإيهام المشركين و دبر النبي صلى الله عليه وسلم من يبيت في فراشه، فلم يترك الفراش خالياً، حتى لا تبعث مكة في طلب النبي صلى عليه وسلم فور اكتشاف خروجه، حتى إذا اكتشفوا ذلك يكون المصطفى صلى الله عليه وسلم قد دبر أمر نفسه، كما أختار صلى الله عليه وسلم لذلك رجلا شجاعاَ شابا فتيا قوياَ مخلصاَ صادقاَ شجاعاً، هو الإمام علي رضي الله عنه، حتى لا يخاف من الأعداء ويأتي بحركة مغايرة للمطلوب، وهكذا ظهرت العلمية في أعلى صورها وأجل معانيها في التدابير السابقة واللاحقة بإذن الله .

 
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته مقنعاَ في وقت الظهيرة حيث الحر والقيلولة، وهجوع الناس في ديارهم اتقاء الحر الهاجرة، ومن يعش في القرى والصحراء يعرف خلو الطرقات من المارة في هذا الوقت .

 ـ وعندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر قال له : (أخرج من عندك ) خوفا من وجود من لا يؤتمن على السر من الخدم والزوار وغيرهم، فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله وقد أثبتت النتائج صدق تصور أبي بكر في أبنائه وحسن تربيتهم.

 
وجهز النبي صلى الله عليه وسلم المأكل والمشرب والميزانية المالية المطلوبة للرحلة وتحديد مكان اللجوء السريع والاختفاء عن الأنظار فلجأ النبي صلى الله عليه وسلم غار ثور، وقد حدد صلى الله عليه وسلم مدة ثلاثة أيام للاختباء فيه حتى يهدأ الطلب من مكة، وتكف عن الملاحقة لقناعتها انها عاجزة عن اللحاق به، وخرج من الباب الخلفي لبيت أبي بكر، فلم يخرج من الباب الرئيس للبيت إمعاناً في الأخذ بالأسباب.

 
واستعان النبي على هجرته بالكتمان ووزع المهام على أصحابه، فكلف عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ومحل ثقته أن يتأتي بغنم أبي بكر ليلاَ فيتزود الركب من حليبها ولحمها وتقوم بمحو آثار الأقدام من الطريق المأهول إلى الغارـ وكلف عبد الله بن أبي بكر بمهمة الإعلام و التغطية الميدانية لكفار مكة، ونقل صورة ميدانية حقيقية لما يدور في مكة على أن يأتي كل يوم بحصاده الإخباري.


وخرج النبي صلى الله وسلم طريق الساحل، ولم يمض الركب في الطريق المعتاد وقد أثبتت النتائج حسن هذا التدبير.

 
وتجنب المصطفى صلى الله عليه وسلم مواطن العملاء فقصد بيتا متفردا عن الحي ولما أخبرته المرأة بمكان عظيم القوم وأشارت عليه أن يذهب إليه لم يفعل ذلك، وهذا موقف علمي عملي فإن زعماء قريش قد أرسلوا إلى زعماء القبائل وأغروهم بمكافأة مالية من الإبل إن هم أتوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بالحيطة والحذر ولم يذهب.

 
ولم يميز رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه عن أبي بكر في اللباس والهيئة حتى أن أهل المدينة لم يفرقوا بينهما عندما وصلا إليها، وفي هذا زيادة في عدم جذب الأنظار للمصطفى صلى الله عليه وسلم في الطريق.

 
ليضرب النبي القدوة في حسن التدبير والتخطيط والأخذ بالأسباب العلمية وعدم التواكل ، وبذلك نجحت هجرته الشريف، ودعوته السماوية، ليبلغ رسالة ربه كما أمره .

 

اضافة تعليق