Advertisements

د. عمرو خالد يكتب: "التوبة" عقد صلح مع الله

الأحد، 29 سبتمبر 2019 03:41 م
اسليدر-د-عمرو


تتنوع العبادات، وكل عبادة لها أثرها على قلب الإنسان، فأثر الصلاة في القلب غير أثر الصيام غير أثر الزكاة والحج، أما الذكر فإنه يجدد روح ومعنى كل العبادات الأخرى في القلب، فبدون الذكر تتحول أغلب العبادات إلى روتين جامد بلا روح، لكن دوام الذكر يجدد معنى وحلاوة وروح كل العبادات الأخرى.


وهذا له عدة أدلة، منها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "جددوا إيمانكم فإن الإيمان يبلى كما يبلى الثوب. فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا لا إله إلا الله".

ويقول الله تعالى: "الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".
ذكر الله يجدد الإيمان في القلوب كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت"، "أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ"؛ فالذكر يحيي القلب، فيحول باقي العبادات من صور جامدة إلى عبادات حية.

لذلك ظاهر الأمر في القرآن أن الذكر واجب وليس نافلة، لأن كل كلام عن الذكر في كتاب الله يأتي بصورة فعل الأمر: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا"، فصيغة الأمر عندما تجيء في القرآن فإنها تأتي على سبيل الوجوب، وهو إن كان ليس من أركان الإسلام الخمسة، لكن أحد الفروض المحركة لهذه الأركان التي لا يصح إيمان الفرد إلا بها.

ومن أعظم الذكر الذي لا يخلو منه قلب امرئ مؤمن بالله تعالى، "الاستغفار"، وهو الاعتراف بالخطأ، والإقرار بالذنب، والندم عليه، والتوسل إلى الله، والتذلل والخشوع إليه، رجاء أن يقبل توبته وأن يغفر سيئاته، صغيرها وكبيرها، طمعًا في عفو الغفور الرحيم، الذي لا يرد تائبًا، ما دام كان صادقًا مخلصًا: "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ".

لا يعدل توبة الله على العبد فرحة، فهو أشد ما يكون فرحًا عندما تزف إليه البشريات بأن الله قد صفح عنه، هذا كعب بن مالك الأنصاري السلمي، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم بعد تخلفهم عن غزوة تبوك، يقول: نزلت توبتنا على النبي صلى الله عليه وسلم ثلث الليل. فقالت أم سلمة: يا نبي الله، ألا نبشر كعبًا؟ قال: إذًا يحطمكم الناس، ويمنعونكم النوم. قال: فانطلقت إلى النبي، فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون، وهو يستنير كاستنارة القمر، فقال: أبشر يا كعب بخير يوم أتى عليك. ثم تلا عليهم: لقد تاب الله على النبي الآيات. وفينا نزلت أيضًا: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. فقلت: يا نبي الله، إن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا، وأن أنخلع من مالي كله صدقة. فقال: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك. وفي لفظ: فقام إلي طلحة يهرول، حتى صافحني وهنأني، فكان لا ينساها لطلحة.

كما أن الله تعالى يفرح بتوبة عبده، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته التي عليها طعامه وشرابه فأضلها في أرض فلاة فاضطجع قد أيس منها، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة على رأسه فلما رآها أخذ بخطامها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح".

للتوبة شروط ثلاثة تتحقق عندما يلهج العبد إلى ربه بالاستغفار: "استغفر الله".

-الندم: فإن أردت أن يقبل الله توبتك عليك أن تقر الأول بذنبك وأن تندم على ما فعلت، وأن يمتلأ قلبك حزنًا على ما قدمت، وأنت مقبل على الله، ترجو عفوه وتخشى عذابه: "أستغفر الله".

- الإقلاع عن الذنب: فلا تصح توبة مع استمرار الذنب، إذا لا بد من الإقلاع عنه أولاً كشرط للتوبة.

-عزم على عدم العودة: "تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا"، أن يكون الإنسان من داخله عازمًا على عدم تكرار الذنب في المستقبل، توبة صادقة، تنصحك بعد العودة من شدة صدقها، فالعزم هو أسباب التوبة والذي يمنحك القوة من الداخل، وأنت تقول: أستغفر الله. 

الجامع بين هذه الشروط الثلاثة، أنها جميعها في القلب، في أعماق الإنسان من الداخل، فالتوبة ليست مجرد عبارة مجردة ينطقها اللسان، بل هي عمل قلبي في الأساس، يترجم إلى فعل، فإن لم يتحقق ذلك كانت التوبة منقوصة.

والعلاقة بين التوبة والستر علاقة عجيبة، فهناك رصيد من الستر لدى كل إنسان يحتفظ الله له به، يتناقص بفعل المعاصي كما يتناقص الماء من الكوب، شيئًا فشيئًا، حتى ينقضي تمامًا فلا يبقى لصاحبه نصيب منه، أو يزيد هذا الرصيد بفعل التوبة والاستغفار، فيرخي الله ستره على العبد، ولا يفضحه أمام الخلائق.

يروى أنهم أتوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل قد سرق، فقال هذا السارق: أستحلفك بالله أن تعفو عني فإنها أول مرة، فقال عمر: كذبت ليست هي المرة الأولى فأراد الرجل أن تثار الظنون حول عمر، فقال له: أكنت تعلم الغيب؟، فقال "الفاروق": لا، ولكني علمت أن الله لا يفضح عبده من أول مرة، فقطعت يد الرجل، فتبعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: أستحلفك بالله أهي أول مرة؟ فقال: والله إنها هي الحادية والعشرون.

لكن السؤال كيف نستمر في منزلة التوبة، كيف نستمر في صدق العزم على التوبة؟

المداومة على الاستغفار كل يوم، فقد كان رسول الله يستغفر الله في يوم مائة مرة، نسمعه في المجلس الواحد يردد: أستغفر الله.. أستغفر الله.. أستغفر الله.. وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير".

لو لم يبق من الاستغفار غير أنه يذكرني بالتوبة لتبقى كل عمرك في منزلة التوبة. لكن هذا كاف.. والتوبة بهذا المعنى صلح مع الله، وليست تأنيبًا وجزعًا.. حين تتوب فكأنك بذلك توقع عقد صلح مع الله، فإياك أن تتأخر عن ذلك.. يوم توبتك تنادي الملائكة في السماء: اصطلح العبد على مولاه.. مرتين.. يوم توبتك عيد في السماء تحتفل به الملائكة، فسارع من الآن إلى كتابع عقد الصلح مع الله، فإنه في انتظارك.

اضافة تعليق