كنت أستودع الله أمي وتوفيت .. لمَ لم يحفظها الله؟

ناهد إمام الأحد، 13 أكتوبر 2019 06:39 م
620199205146830085702

توفي والدي منذ سنوات، وتولت أمي صغيرة السن تربيتنا ورعايتنا، إلا أنها دخلت فجأة منذ 8 شهور في غيبوبة، وبعد مرور 15 يومًا توفيت وتركتني وأخي 12 سنة.
لقد كنت أستودعها الله كل صباح ومساء، وأنا الآن أكاد أجن، كيف أستودع أمي الله ولا يحفظها، ألم يعدنا الله بأن من نستودعه إياه لا يضيع؟!

مي- مصر
الرد:
مرحبًا بك عزيزتي مي..
أقدر مشاعرك المتألمة لفقد حبيبتك يا عزيزتي وجنتك، أتفهم جدًا ما تمرين به وأرجو أن تكون السطور التالية بردًا وسلامًا على قلبك المكلوم.

 لا شك يا عزيزتي أن الموت يرتبط بمشاعر فقد، وحزن، وللأحبة يكون الشعور أعمق وأكثر فداحة، ومن الطبيعي أن تحزني  لفراق والدتك، أن تتألمي لغيبتها،  لكن من غير الطبيعي أن تسجني نفسك وحياتك في هذا الحزن، أو ذاك الألم، في صورة "أنني استودعتها الله فلم ماتت؟!".

الموت يا عزيزتي يعيش في داخلنا وهو جزء منا مثله مثل الحياة، فأنت عندما تخلدين إلى النوم تقولين الدعاء" باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين"، نحن نموت يا عزيزتي كل يوم موتة صغرى، نموت مساء كل ليلة، ونحيا من جديد في اليوم التالي، فالموت جزء من تكويننا الإنساني، وتركيبنا النفسي، الموت هو الوجه الآخر لوجودنا وليس (نهاية) وجودنا، وهنا يكمن الحل كله، في "فكرة الموت " داخلنا، وكيف نراه، وكيف نفكر فيه، ومدى قبولنا له، فهو الحقيقة الحقيقية في هذه الحياة.

نحن نستودع الله أنفسنا وليس أحبائنا، ونموت، لأن الأجل قد حان وهو غيب لا نعلمه، ولا يعلمه ولا ينفذه إلا الله سبحانه، الذي لا يسأل عما يفعل، وكل فعله خير، ولحكمه لا نعلمها إلا بعد حين.

لا حل مع "الموت" يا عزيزتي سوى "التصالح" معه، التصالح مع واحدة من أهم حقائق الكون، التي لا يصلح معها اختزال أو تجاهل أو إنكار، أو غضب، أو رفض.
مع الموت يا عزيزتي لابد من القبول، والرضى،  والصبر، واليقين أنه عسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

إن الوجع العميق هذا تجاه موت والدتك سببه الإعتقاد  أن الموت فناء وعدم، ومجهول مخيف، وأنه عذاب ومحاسبة،  وحرمان لكم وفقد وغياب حبيبة وفقط.

لذا أول ما يمكنك عمله من خطوات هو أن تعودي بنضوج وواقعية لحقيقة الموت كجزء لا يتجزأ أصلا من الحياة، وقد أخبرنا الله أنه سيحدث لنا جميعًا، وأنه ممر إلى "حياة" أخرى، هو الطريقة التي سننتقل بها إليها.

نحن يا عزيزتي في حالة تنقلات دائمة حتى "المستقر"، ننتقل من حياة الرحم إلى الدنيا، وننتقل من الدنيا إلى "الحياة" الآخرة.

عليك الآن التفكير في مساهمة في اضافة خير وجمال لحياة والدتك التي انتقلت إليها، وكيف تعيشين أنت وأخيك حياة طيبة تطيب خاطر والدتك وتطمئنها عليك حتى تلحقين بها .

تصدقي عن والدتك فالصدقة تصل، ادع لها فالدعاء يصل، عززي فكرة أنها تحيا الآن ولكن في حياة مختلفة، وأنه خير لها، نعم، فرب الخير لا يأت إلا بالخير، ربما

لو طال بها العمر لقاست من أمور وظروف تشقيها وتتعبها.


اعلم مدى صعوبة الأمر يا عزيزتي عليك، ولكنني اجتهدت في وضع الحل بكل صراحة  بين يديك للخروج من هذا المأزق المؤلم، فاجتهدي فما قلته لك، حتى يعود لك اتزانك، وتعيشين عمرًا طيبًا تسعدين فيه وتسعدين به والدتك رغم الغياب، واستعيني بالله ولا تعجزي.

اضافة تعليق