"وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا".. من هو "هامان" وزير "فرعون"؟

الخميس، 17 أكتوبر 2019 10:54 ص
2016_10_31_12_27_57_60


ضرب فرعون وهامان المثل في العناد والكفر بالله، وكذبوا رسالة الله التي جاءت على لسان موسى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ۞ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 23-24].

وكان هامان وزير أو مسؤول عن أعمال البناء في نظام فرعون، ومن الواضح كما يُستفاد من السياق القرآني أنه كان ذا شأن كبير في حاشية فرعون وأحد أركان حكمه، فقد ذكره الله تصريحًا في أكثر من موضع، وقرن ذكره بذكر فرعون وقارون في غير موضع في القرآن الكريم.

وكان رَدُّ فعلهما على هذه الدعوة الواضحة البيِّنة المليئة بالآيات والمعجزات أن استكبرا في الأرض وتجبرا وأعرضا عن الاستجابة لها: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت: 39].

لذلك توعَّدَهم الله سبحانه وتعالى وبَيَّنَ لهم عاقبة فعلهم برغم ما بلغوه من عُلُوٍّ في الأرض وما أشاعوه فيها من فساد وقتل وتخريب: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ۞ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ۞ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 4-6]، وأكد أنهم خاطئون في اعتقادهم هذا وسينالون سوء المصير: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: 8].

 فكانت المهمة الكبرى التي كان يقوم بها هامان مع فرعون هي أنه كان شريكًا له في أفكاره ومساعدًا له على تنفيذها، ولهذا كان ملجأً لفرعون في رغباته الجامحة في تحدي العقيدة الحقَّة الخالصة؛ فطلب منه أن يبني له بناءً يصعد عليه إلى السماوات ليرى هذا الإله الذي يدعو إليه سيدنا موسى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: 38].

 

وقال تعالى أيضًا: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ • أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: 36-37].


فكان إهلاك فرعون وجنوده بمن فيهم هامان جزاءً وفاقًا لبغيهم وتجبُّرهم واستعلائهم في الأرض، وكان نجاة سيدنا موسى ورسالته المرسل بها من ربِّ العالمين دليلًا آخر على استتباب سنة الله في خلقه بانتصار الحق في النهاية مهما علا الباطل ومهما تطاول أمد وجوده.

شبهات حول حقيقة هامان في زمن فرعون


وزعم بعض الباحثين المرتكزين على تواريخ بني إسرائيل أن هامان ما كان موجودا البتة في زمان موسى وفرعون ، وإنما جاء بعدهما بزمان مديد ، ودهر داهر .

ورد العلماء بأنه ليس لقائل أن يقول إن وجود شخص يسمى بهامان بعد زمان فرعون لا يمنع من وجود شخص آخر يسمى بهذا الاسم في زمانه ، قالوا : لأن هذا الشخص المسمى بهامان الذي كان موجودا في زمان فرعون ما كان شخصا خسيسا في حضرة فرعون ، بل كان كالوزير له ، ومثل هذا الشخص لا يكون مجهول الوصف والحلية ، فلو كان موجودا لعرف حاله ، وحيث أطبق الباحثون عن أحوال فرعون وموسى أن الشخص المسمى بهامان ما كان موجودا في زمان فرعون ، وإنما جاء بعده بأدوار ؛ علم أن غلطا وقع في التواريخ ؟

قالوا : ونظير هذا أنا نعرف في دين الإسلام أن أبا حنيفة إنما جاء بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، فلو أن قائلا ادعى أن أبا حنيفة كان موجودا في زمان محمد عليه السلام ، وزعم أنه شخص آخر سوى الأول ، وهو أيضا يسمى بأبي حنيفة ، فإن أصحاب التواريخ يقطعون بخطئه فكذا هاهنا .

وتؤكد الاكتشافات التاريخية وجود شخصية " هامان " في حياة فرعون ، وكونه من كبار أعوانه ووزرائه ، وقد أكد هذه الاكتشافات مجموعة من الباحثين المختصين .

يقول البروفيسور موريس بوكاي: " لقد جاء ذكر هامان في القرآن كرئيس المعماريين والبنّائين . ولكن الكتاب المقدس لا يذكر أي شيء عن هامان في عهد فرعون .

وقد قمتُ بكتابة كلمة " هامان " باللغة الهيروغلوفية ( لغة مصر القديمة ) وعرضتها على أحد المختصّين في تاريخ مصر القديمة ، ولكي لا أدعه تحت أي تأثير لم أذكر له أنها وردت في القرآن ، بل قلت له إنها وردت في وثيقة عربية قديمة يرجع تاريخها إلى القرن السابع الميلادي . فقال لي المختصّ : يستحيل أن ترِد هذه الكلمة في أي وثيقة عربية في القرن السابع ؛ لأن رموز الكتابة باللغة الهيروغلوفية لم تكن قد حلّت آنذاك .

ولكي أتحقق من هذا الأمر فقد أوصاني بمراجعة " قاموس أسماء الأشخاص في الإمبراطورية الجديدة " لمؤلفه " أللامند رانك ".

نظرتُ إلى القاموس فوجدت أن هذا الاسم موجود هناك ، ومكتوب باللغة الهيروغلوفية وباللغة الألمانية كذلك . كما كانت هناك ترجمة لمعنى هذا الاسم وهو " رئيس عمّال مقالع الحجر ". وكان هذا الاسم ، أو اللقب ، يطلق آنذاك على الرئيس الذي يتولى إدارة المشاريع الإنشائية الكبيرة .



ويقول الباحث التركي هارون يحيى :" على إثر حل لغز اللغة الهيروغلوفية ، تم الوصول إلى معلومات مهمة تتعلق بموضوعنا... كان اسم هامان مذكورا في هذه الكتابات ، فعلى حجرية موجودة حاليا في متحف هوف في فينا يرد هذا الاسم ، وترد الإشارة إلى كونه من المقربين من فرعون .

أما في قاموس " الأشخاص في الملكية الجديدة " الذي تمت كتابته اعتمادا على جميع المعلومات الواردة في جميع الألواح والرقم والأحجار المصرية القديمة فيرد اسم هامان على أنه كان الشخص المسؤول عن عمال مقالع الأحجار .

وكانت النتيجة التي ظهرت للعيان تشير إلى حقيقة مهمة ، وهي أنه بخلاف زعم معارضي القرآن وأعدائه ، فإن هامان كان يعيش في مصر في عهد النبي موسى عليه السلام ، تماما كما ورد في القرآن ، وكان مقربا من فرعون ، ومسؤولا عن الأعمال الإنشائية والبناء . لذا نرى في القرآن أن فرعون يطلب من هامان بناء صرح عال له ، وهذا يتطابق تماما مع هذه المكتشفات الأثرية والتنقيبية : ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ ) القصص/38.


اضافة تعليق