يكشف لك عنه النبي.. طريق جديد ومختصر لبسط الرزق

الجمعة، 18 أكتوبر 2019 12:24 م
120193011246380507498



مازال الرزق هو الشغل الشاغل للكثير من المسلمين، في ظل الضغوط المعيشية والاقتصادية والأزمات التي يعانون منها، ما أسفر عن حالة من الهم والحزن بلغت ذروتها في قلوب الملايين من الفقراء في ربوع الأرض.

ومن خلال مطالعة السنة النبوية، نجد أن النبي كثيرًا ما أرشدنا لما يسعدنا في الدارين الدنيا والأخرة، فكان إذا ضاقت عليه الدنيا أو أهمه شأن من أمره، فزع إلى العمل والاجتهاد في العبادة، وخاصة الصلاة والدعاء.

 إلا أن طريقًا آخر دل عليه النبي صلى الله عليه وسلم يضيئ في عتمته شعاع الأمل والفرح وفك الكرب والخروج من هذه الكبوة الاقتصادية.



فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".

 فقد أوصى الله في كتابه العزيز بصلة الرحم وحذر من قطيعتها، فقال جل شأنه: { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } (سورة الإسراء: 26-28).

والأمر في قوله تعالى: { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } للوجوب؛ لأن البخس في الحقوق ظلم، والظلم قد حرمه الله على نفسه، وجعله بين عباده محرماً.

وحق ذوي القربى يتمثل في برهم والإحسان إليهم والعطف عليهم، ووصلهم بالزيارة والسؤال عنهم، والدعاء لهم والبشاشة في وجوههم، والدفاع عنهم في حضورهم وغيبتهم، وتنفيس كرباتهم بقدر الوسع والطاقة، وعند العجز عن قضاء حاجة من حوائجهم يعتذر إليهم اعتذاراً مهذباً، وبعدهم وعداً حسناً، ويقول لهم قولاً ميسوراً، أي مقبولاً مرضياً لا يجرح المشاعر ولا يحرج السائل.


وقال عز شأنه: { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } (سورة النساء: 1).

فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ"، وفي رواية لمسلم: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ" معناه واضح، ولكن من تعمق فيه وجد لطائف تستحق أن تذكر لتعرف، منها:

إن البسطة في الرزق: الاتساع الذي لا يحد بحد.

وإذا علمنا أن الرزق مقسوم ومحدود أدركنا – بالبديهة – أن البسط يكون بالبركة فيه، بحيث يتذوق المرزوق حلاوته، ويجد نفعه ظاهراً لديه غير خافٍ وعليه، ويوفق لشكر الله تبارك وتعالى على ذلك، فينال بهذا البسط ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.



ومنها أن السرور أشد من الفرح، وأبعد عن العجب والغرور، فمهما اشتد السرور لا يضر صاحبه، ولا يخرجه عن حد الأدب مع الله تبارك وتعالى، ولا يؤدي به إلى ما يؤدي إليه الفرح إذا اشتد.

وذلك لأن السرور معناه بسط أسارير الوجه، وظهور البشاشة والسماحة عليه.

قال الله عز وجل في وصف أهل الجنة: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا } (سورة الإنشقاق: 7-9).

وقال جل وعلا: { فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا } (سورة الإنسان: 11).



فقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "مَنْ سَرَّهُ" ترغيب في صلة الأرحام، وتبشير بثواب الله على ذلك في الدنيا بالبركة في الرزق والعمر، وثواب الله في الآخرة، وهو خير وأبقى.

وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ" معناه، يؤخر له في عمره.

 وقوله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" أمر جامع لكل أنواع البر والإحسان فمن وصل رحمه كما أمر الله عز وجل فهو من خيار المؤمنين، وهو من أولي الألباب الذين فتح الله لهم أبواب المعرفة، وأمدهم بالحكمة؛ وذلك لأن صلة الأرحام تحتاج إلى خبرة وفطنة، وحكمة وصبر ومجاهدة، فإن الأقارب كثيراً ما يقابلون الحسنة بالسيئة ولا يرضون بما أوتوا مهما كان كثيراً، ولا يشكرون من أسدى إليهم معروفاً كما ينبغي أن يكون الشكر، إلا من عصمه الله من ذلك.



فعلى المسلم أن يصنع في أقاربه معروفاً ولا ينتظر منهم أن يقابلوا معروفه بمعروف مثله، ولا ينتظر منهم أيضاً أن يشكروه على ذلك وأن يعود نفسه على أن يحسن لمن أساء إليه، فمن أحسن لمن أساء إليه كان أعبد الناس.

 وروى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونَني، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: "لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلت، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ، مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ".

إنه يشكو قرابته الذين يقاطعونه وهو يردي وصلهم ، ويعمل جاهداً في الإحسان إليهم، وهم يعملون جهدهم في الإساءة إليه.

وهو يعاملهم بالحلم وحسن الخلق وهم يجهلون عليه بالسب والشتم وسائر أنواع الأذى، فماذا يعمل من أجل إصلاحهم، وكيف يواجههم، وهل يستمر في الإحسان إليهم أم يقطع صلته بهم.

فيرشده النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إلى ما فيه سموه عند الله وعند الناس، فليس هناك أعظم من حسن الخلق، فيقول له: "لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلت، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ" وهو الرماد المحمي.

وهذا كناية عن مضاعفة أجره عند الله ومضاعفة العذاب لهم، ثم يبشره بالنصر عليهم في آخر الأمر مادام على بره بهم وإحسانه إليهم وصبره عليهم، فيقول النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: "وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ – أي ناصر ومعين - مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ".

اضافة تعليق