الرجوع عن الصدقة.. كيف حذره منه النبي.. وما سر النهي؟

الخميس، 14 نوفمبر 2019 11:11 ص
تسمع كثيرا عن ثواب الصدقة.. هل تعلم أجر التصدق بـ الملح


من يراقب الله فلا يعد نفسه واهبًا، بل يعتبر نفسه مناولاً، لذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من خطر العودة عن الصدقة، حينما جاء عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ".

 وأوضح الحديث الشريف أن الهبة من الله تفضل وامتنان، ومن العبد تبرع وإحسان، ولولا توفيق الله ما تبرع الإنسان، ومن حاسب نفسه منعها من الشح واستله من طبعها، ولن يفلح إلا بذلك.

الهبة من الله تفضل وامتنان، ومن العبد تبرع وإحسان، ولولا توفيق الله ما تبرع الإنسان، ومن حاسب نفسه منعها من الشح واستله من طبعها، ولن يفلح إلا بذلك.

اظهار أخبار متعلقة


{ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (سورة التغابن: 16).

 فحينما جعل عمر بن الخطاب – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يحمل رجلاً على فرس ليجاهد عليه في سبيل الله، وقد وهبه له، فأضاعه الرجل، فظن أنه يبيعه برخص الثمن لأمارات بدت عليه، فاستشار النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في استرداده بالثمن أو بغير ثمن، فيشير عليه النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ألا يفعل هذا ولا ذاك، وأعلمه أن مثل الراجع في هبته أو صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يرجع في قيئه، مبالغة في تنفيره عن العود في ما أخرجه من ماله هبة أو صدقة.

فلا ندري حينما نتبرع لأحد بشيء يضطر لبيعه، إذا كان ذلك عن عمد أو عن فقر، فبعض الناس قد تضطر من الفقر لبيع زكاة الفطر، حينما نزكي بالحبوب فيضطرون لبيعها من اجل سداد ديونهم، أو شراء ما هو أولى من دواء أو غيره,

فكر عمر في أمر هذا الفرس، وظن ظنًا قويًا أن الرجل قد يبيع الفرس لشدو فقره أو لعدم معرفته بتدبير علفه واختيار الأنسب له من الأطعمة.
فكر عمر في أمر هذا الفرس، وظن ظنًا قويًا أن الرجل قد يبيع الفرس لشدو فقره أو لعدم معرفته بتدبير علفه واختيار الأنسب له من الأطعمة.

وهذا الظن في محله؛ لأن القرائن تشهد بذلك، ولكن ماذا يفعل، إنه لابد أن يرد الأمر إلى من أجرى الله الحق على قلبه ولسانه.

فقال له النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "لَا تَبْتَعْهُ" أي: لا تطلب شراءه منه؛ فذلك يشبه الرجوع في الهبة أو الصدقة، وربما يبيعه له بأرخص الأثمان، حياء منه، وربما يتنازل عنه من غير ثمن؛ تعففاً. وأصحاب النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هم خيرة المتعففين.



ونهاه ألا يعود في صدقته، لا بالشراء ولا بأي حيلة من الحيل، فقد سد عليه أبواب الرجوع كلها، ونفره منه بالمثل الذي ضربه، وهو مثل مقزز منتزع من أبشع حالات الكلب.

وذهب جمهور العلماء إلى حرمة الرجوع في الهبة إذا كانت بلا عوض، إلا ما كان من الوالد لولده، فإنه يجوز له أن يستردها منه ما لم يكن قد تصرف فيها، أو زادت عنده زيادة كبيرة، أو استدان بسببها أو تزوج؛ فإن الناس لم يزوجوه أو لم يسلفوه إلا لما حصل عنده من الهبة السخية، ولا شك أن في استردادها منه حينئذ ضرر عليه وعلى من أسلفه أو زوجه، وضرر على من تزوجته.

والأصل في الهبة أن لا يرجع فيها الواهب على من وهبها له، ولكن لما كان للوالد في مال ولده شبهة حق جوز له المالكية ومن وافقهم رجوعه فيها بالشروط المتقدمة.



وروى مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وغيرهم عن ابن عمر وابن عباس النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ فَيَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ رَجَعَ فِي قَيْئِهِ".

 وأخرج ابن حزم عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال:  "الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا".
 وأخرج ابن حزم عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال:  "الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا".

فإذا أعطى رجل شيئًا على سبيل الهبة وهو متوجه إلى البيت الحرام مثلاً في نظير شيء يقوم مقام هبته يأتيه به من الأرض المقدسة، ولم يفعل – جاز له أن يسترد منه هبته، وإن لم يشترط عليه ذلك، إذا كان هناك عرف يدل عليه، فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطًا، والعرف يقوم مقام الشرط عند أكثر أهل العلم، ويسمى هذا النوع من الهبات هبة الثواب، أو هبة العوض، والأولى أن تسمى هدية.

أما الصدقة فلا خوف بين العلماء في حرمة استردادها تحت أي ظرف من الظروف؛ فقد خرجت عن ملك المتصدق لوجه الله تعالى.

اضافة تعليق