الورع ثمرة الإحسان ودأب المتقين المخلصين.. وبه طريقك للنجاة

الأحد، 17 نوفمبر 2019 09:20 م
كيف-تقوي-إيمانك-بالله-في-خطوات
الورع طريق المتقين المخلصين


الورع منزلة ومرتبة عظيمة من مراتب التقوى والخوف من الله عز وجل، كما أن الورع من الإحسان الذي عرفه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: "أن تبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وبه يكون العبد المسلم من المتقين الذين تركوا بعض الحلال خوفاً من الوقوع في الشبهات أو الاقتراب مما حرم الله عز وجل.

كما أن الورع مصطلح ورد في احاديث نبوية شريفة، فقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا اللفظ في قوله: [يَا أَبَا هُرَيرَةَ كُن وَرِعًا تَكُن أَعبَدَ النَّاسِ وَكُن قَنِعًا تَكُن أَشكَرَ النَّاسِ وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبٌّ لِنَفسِكَ تَكُن مُؤمِنًا وَأَحسِن جِوَارَ مَن جَاوَرَكَ تَكُن مُسلِمًا وَأَقِلَّ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلبَ]رواه ابن ماجه.

 وقال -صلى الله عليه وسلم-: [فضل العلم أحب إليَّ من فضل العبادة وخير دينكم الورع]رواه البزار والحاكم والطبراني في الأوسط من حديث حذيفة، ورواه الحاكم أيضاً من حديث سعد -رضي الله عنهما-. فالورع إذاً مصطلح شرعي نبوي، وإن كان ليس من شروط هذه المصطلحات أن ترد بنصها عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فما دام المصطلح لا يعارض النصوص الشرعية فلا مشاحة في الاصطلاح.

البر والإثم

أما الأدلة على معنى الورع دون لفظه، فهي كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ومنها:
* حديث النٌّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ, قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: [إِنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَينَهُمَا مُشتَبِهَاتٌ لَا يَعلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ فَمَن اتَّقَى الشٌّبُهَاتِ استَبرَأَ لِدِينِهِ وَعِرضِهِ وَمَن وَقَعَ فِي الشٌّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرعَى حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أَن يَرتَعَ فِيهِ...] رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والدارمي وأحمد.

* حديث النَّوَّاسِ بنِ سِمعَانَ قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَن البِرِّ وَالإِثمِ فَقَالَ: [البِرٌّ حُسنُ الخُلُقِ وَالإِثمُ مَا حَاكَ فِي صَدرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ] رواه مسلم والترمذي والدارمي وأحمد.


 وحين جاء وابصة بن معبد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له -صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: [جِئتَ تَسأَلُ عَن البِرِّ وَالإِثمِ... استَفتِ نَفسَكَ استَفتِ قَلبَكَ يَا وَابِصَةُ ثَلَاثًا البِرٌّ مَا اطمَأَنَّت إِلَيهِ النَّفسُ وَاطمَأَنَّ إِلَيهِ القَلبُ وَالإِثمُ مَا حَاكَ فِي النَّفسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدرِ وَإِن أَفتَاكَ النَّاسُ وَأَفتَوكَ] رواه الدارمي وأحمد. ولا شك أن هذا الحديث مع ما فيه من الدلالة على الأمر بالتورع مما حاك في الصدر، وإتيان ما اطمأنت إليه النفس، فهو إشارة إلى حال الصالحين، وحال قلوبهم التي ترى بنور الله -سبحانه و تعالى- فتطمئن هذه القلوب للبر والهدى والتقى والصلاح، وتشعر باشمئزاز ونفور من الإثم وأسبابه، ولو أفتاها الناس، وهذا المقياس في مسألة البر والإثم ليس إلا لعباد الله الصادقين، بل لعله أن يكون أمارة نختبر بها قلوبنا فإن كانت تطمئن للبر، والصلاح، والتقوى، وتشمئز من المعصية، والسيئة، وتنفر منهاº فهي قلوب صالحة بإذن الله، وإن كانت دون ذلك فهي بحاجة إلى تزكية وإصلاح.

الورع عند السلف:
 قال ابن القيم -رحمه الله- في المدارج: 'وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- الورع كله في كلمة واحدة، فقال: [مِن حُسنِ إِسلَامِ المَرءِ تَركُهُ مَا لَا يَعنِيهِ]رواه ابن ماجه والترمذي ومالك وأحمد. فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع'.


وقال إبراهيم بن أدهم: 'الورع ترك كل شبهة، وترك ما لا يعنيك هو ترك الفضلات'.
وقال إسحاق بن خلف: 'الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة، والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة لأنهما يبذلان في طلب الرياسة'. 


وقيل: 'الورع الخروج من الشهوات وترك السيئات'.
وقيل: 'من دق في الدنيا ورعه، أو نظره جلَّ في القيامة خطره'.
وقال يونس بن عبيد: ' الورع: الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس'.
وقال سفيان الثوري: 'ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك اتركه'.
وقال سهل: 'الحلال هو الذي لا يعصى الله فيه، والصافي منه الذي لا ينسى الله فيه'.
وقال الحسن: 'مثقال ذرة من الورع خيرٌ من ألف مثقال من الصوم و الصلاة'.
وقال أبو هريرة: 'جلساء الله غداً أهل الورع والزهد'.
وقال بعض السلف: 'لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس' - ويروى مرفوعاً-.
وقال بعض الصحابة: 'كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب الحرام'.

قواعد وضوابط في الورع:
هي قواعد مهمة حول الورع، وأكثرها مما قررها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، فله حديث حول الورع في مجموع الفتاوى في الجزء العاشر، وفي الجزء العشرين: 

القاعدة الأولى: الورع منه واجب ومنه مستحب:
كثير من الناس حينما يطلق مصطلح الورع ينصرف ذهنه إلى دقائق الورع، والبعد عن المشتبهات فيرى أن الورع ليس ضمن دائرة الواجبات، إنما هو مقام للخاصة والصالحين، وليس واجباً على آحاد الناس، قال شيخ الإسلام: ' فأما الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمداً - صلى الله عليه وسلم - فهو اتقاء ما يخاف أن يكون سبباً للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح، ويدخل في ذلك أداء الواجبات، والمشتبهات التي تشبه الواجب، وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه الحرام، وإن أدخلت فيه المكروهات، قلت: يخاف أن تكون سبباً للنقص والعذاب، وأما الورع الواجب فهو اتقاء ما يكون سبباً للذم والعذاب، وهو فعل الواجب وترك المحرم، والفرق بينهما [أي بين الورع الواجب والمستحب] فيما اشتبه أمِن الواجب أم ليس منه؟ وما اشتبه تحريمه أمن المحرم أم ليس منه'.

القاعدة الثانية: أن ما لا ريب في حله ليس فيه ورع بل الورع فيه من التنطع:
قال - رحمه الله -: 'وأمَّا ما لا ريب في حله فليس تركه من الورع، وما لا ريب في سقوطه فليس فعله من الورع'. 

القاعدة الثالثة: لا ورع عند وجود المعارض الراجح:
قال - رحمه الله -: 'وقولي عند عدم المعارض الراجح، فإنه قد لا يترك الحرام البين أو المشتبه إلا عند ترك ما هو حسنة، موقعها في الشريعة أعظم من ترك تلك السيئة، مثل: أن يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة والجماعة والحج والغزو، وكذلك قد لا يؤدي الواجب أو المشتبه إلا بفعل سيئة أعظم إثماً من تركه، مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر لذوي السلطان إلا بقتال فيه من الفساد أعظم من فساد ظلمه'. 

القاعدة الرابعة: الورع يكون في الفعل كما هو في الترك:
وذلك أن البعض من الناس يعتقد أن الورع يكون في الترك، قال شيخ الإسلام: 'لكن يقع الغلط في الورع من ثلاث جهات: أحدها اعتقاد كثير من الناس أنه من باب الترك فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام لا في أداء الواجب، وهذا يُبتلى به كثيرٌ من المتدينين المتورعة ترى أحدهم يتورع عن الكلمة الكاذبة، وعن الدرهم فيه شبهة لكونه من مال ظالم، أو معاملة فاسدة، ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أجل البدع في الدين وذوي الفجور في الدنيا، ومع هذا يترك أموراً واجبة عليه إما عيناً وإما كفاية، وقد تعيَّنت عليه من صلة رحم، وحق جار ومسكين وصاحب ويتيم وابن سبيل، وحق مسلم وذي سلطان وذي علم، وعن أمر بمعروف ونهي عن منكر، وعن الجهاد في سبيل الله إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه، أو يفعل ذلك لا على وجه العبادة لله - تعالى - بل من جهة التكليف ونحو ذلك'.

القاعدة الخامسة: أن الورع إنما هو بأدلة الكتاب والسنة:
قال - رحمه الله -: 'الجهة الثانية من الاعتقاد الفاسد: أنه إذا فعل الواجب والمشتبه، وترك المحرم والمشتبه، فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة وبالعلم لا بالهوى، وإلا فكثير من الناس تنفر نفسه عن أشياء لعادة ونحوها، فيكون ذلك مما يقوي تحريمها واشتباهها عنده، ويكون بعضهم في أوهام وظنون كاذبة، فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد فيكون صاحبه ممن قال الله - تعالى - فيه:{إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهوَى الأَنفُسُ...[23]}(سورة النجم)… ومن هذا الباب الورع الذي ذمه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: لما ترخص في أشياء، فبلغه أن أقواماً يتنزهون عنها، فقال: [مَا بَالُ أَقوَامٍ, يَتَنَزَّهُونَ عَن الشَّيءِ أَصنَعُهُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعلَمُهُم بِاللَّهِ وَأَشَدٌّهُم لَهُ خَشيَةً]رواه البخاري ومسلم وأحمد. وكذلك حديث صاحب القُبلة، ولهذا يحتاج المتدين المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة والفقه في الدين، وإلاَّ فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه، كما فعله الكفار وأهل البدع من الخوارج والروافض وغيرهم'. 

اظهار أخبار متعلقة


اظهار أخبار متعلقة



القاعدة السادسة: الورع لا يكون إلا بالإخلاص:
قد تأتي الإنسان اعتبارات تدفع إلى الورع، فقد يكون له مقام واعتبار، ويرى أنه مما ينبغي أن لا يليق بأمثاله أمام الناس، فيكون دافعه إلى ذلك مُراءاة الناس، وقد يكون دافعه حظ النفس أو هوى النفس، أو غيرها من الأمور فالورع مثل سائر الأعمال الصالحة لابد فيها من الإخلاص، قال شيخ الإسلام: 'واعلم أن الورع لا ينفع صاحبه ويكون له ثواب إلا بفعل المأمور به من الإخلاص'.

 القاعدة السابعة: التدقيق في مسائل الورع للخاصة وليس لآحاد الناس:
قال الحافظ ابن رجب: 'وهاهنا أمرٌ ينبغي التفطن له وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبه، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل ينكر عليه وهذا حال بعض المتكلفين المرائين يسلك هذا المسلك كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: انظُرُوا إِلَى هَذَا يَسأَلُنِي عَن دَمِ البَعُوضِ وَقَد قَتَلُوا ابنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَسَمِعتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-يَقُولُ: [هُمَا رَيحَانَتَايَ مِن الدٌّنيَا]رواه البخاري والترمذي وأحمد'. وهذا الأمر مهم أن نعيه ونحن نقرأ بعض الروايات عن السلف في ورعهم حتى لا نقع في هذا الغلط الذي له آثار سلبية على نفوسنا فنحن أحوج ما نكون إلى الورع الواجب، وأحوج ما نكون إلى اجتناب المحرمات الظاهرة الواضحة، وأحوج ما نكون إلى إصلاح قلوبنا، فإذا انشغلنا بهذه الدقائق تركت آثاراً على أنفسنا، منها: أن تشعر أنفسنا بالزهو، واحتقار الآخرين، وأن الناس لا يتورعون، ومنها: أن تنشغل النفس عما هي أولى به من إصلاح القلب، والورع الواجب.


اضافة تعليق