الإدمان أنواع .. أخطره إدمان العلاقات المؤذية

الإثنين، 18 نوفمبر 2019 08:50 م
love-book

الإدمان هو التعود الشديد على استعمال إحدى المواد المخدرة أو المنبهة بحيث لا يمكن للمدمن الامتناع عن تعاطيها بجرعات متزايدة، ويؤدي ذلك إلى حدوث أعراض عضوية ونفسية تختلف باختلاف المادة، وكميتها، ومدة تعاطيها.

هذه المواد تسبب إفراز كميات زائدة من الدوبامين (هرمون السعادة) فى المخ فيما يعرف باسم (نظام المكافأة الدماغي)، ويؤدي تراكم (الدوبامين) إلى التنشيط المستمر لهذا الإحساس إلى أن يزول تأثير هذه المواد، ثم تجتاح المدمن الرغبة الشديدة بتناولها مجدداً عندما يزول مفعولها من الجسم.

وهناك فرق بين الإدمان والتعود، ففى التعود تظل الكمية المستخدمة من المادة ثابتة ويكون الاعتماد عليها نفسياً فقط، مثل التعود على الشيكولاتة التى تحتوي على أكثر من 300 مادة مختلفة تساعد على إفراز الدوبامين، والسيروتونين والنورأدرينالين وغيرها. لكن التوقف عنها لا يسبب أي أعراض انسحابية عضوية كباقي المخدرات. وهناك أشياء أخرى تسبب إفراز هذه المواد بشكل طبيعي مثل الموسيقى والجنس وغيرها.

ورغم أن إدمان المخدرات هو أشهر وأوضح أنواع الإدمان، لكنه ليس وحده أخطرها، فهناك أنواع أخرى خافية من الإدمان (أو التعود)، وهذا هو موضوع مقالنا اليوم.

هناك إدمان للانترنت، حيث تقضي أوقاتاً طويلة جداً على الانترنت للدرجة التي تشغلك عن عملك وعلاقاتك، وتعوق سير حياتك بشكل ملحوظ

هناك إدمان (للجنس)، بمعنى ممارسات جنسية موتورة بمعدل وطريقة خارج النطاق الطبيعى. وهناك إدمان (للعمل)، بمعنى العمل لفترات طويلة قد تنتهى بأن يبتعد الشخص عن أقرب الناس إليه كأهله وأصحابه وعائلته. هناك إدمان للانترنت، حيث تقضي أوقاتاً طويلة جداً على الانترنت للدرجة التي تشغلك عن عملك وعلاقاتك، وتعوق سير حياتك بشكل ملحوظ، وهناك طبعاً إدمان للفيسبوك، الذى يجعلك تتفرغ له فى بعض الأوقات، على حساب كل شيء وأي شيء.
فى (إدمان العلاقات)، يدمن الشخص نوعاً معيناً من العلاقات التي تكون عادة مؤذية، ويصر على تكرارها والخوض فيها برغم ما تسببه له من آلام وجروح نفسية فى كل مرة

وهناك نوعان آخران أخفى وأخطر – فى رأيي - من كل أنواع الإدمان السابقة، أولهما هو إدمان العلاقات، وثانيهما هو إدمان دور معين فى حياتنا (دور الضحية أو دور الجاني أو دور المنقذ).

فى (إدمان العلاقات)، يدمن الشخص نوعاً معيناً من العلاقات التي تكون عادة مؤذية، ويصر على تكرارها والخوض فيها برغم ما تسببه له من آلام وجروح نفسية فى كل مرة، فتجد فتاة شابة قد دخلت فى علاقة عاطفية تسببت لها فى كثير من الأذى النفسي والمعنوي وأحياناً الجسدي، لكنها بعد انتهاء هذه العلاقة، وبالرغم من كل ما تعرضت له فيها، تقوم بالدخول في علاقة أخرى مع شخص آخر له نفس مواصفات وسمات المؤذي السابق، وينالها قسط آخر من الأذى والإهانة وسوء المعاملة، إلى أن تنتهي العلاقة بمزيد من الأسى والجروح، لكنها لا تكف عن تكرارها بنفس الشكل ونفس التفاصيل مع أشخاص آخرين.

نجد أيضاً من يقوم بالدخول فى علاقات اعتمادية بشكل غريب ومتكرر، فيختار من بين كل الناس شخصاً تبدو عليه قوة الشخصية وحسن التصرف، ويدخل معه فى علاقة يكون فيها بمثابة الطفل الذي يطلب دائماً من أهله التوجيه والقيادة واتخاذ كل القرارات مكانه، وتحمل كل المسؤوليات بالنيابة عنه، إلى أن يشعر الطرف الآخر بثقل الحمل، ويبدأ في البعد والانصراف والتحرر من قيد هذه العلاقة الخانقة؛ فيتألم صاحبنا، ويشعر بالخذلان والتخلي والوحدة، وما يلبث أن يدخل فى علاقة اعتمادية جديدة، مع شخص آخر.
مشكلة هذه الأدوار أنها ليست فقط مواقف عارضة قد يمر بها أي شخص عادي فى حياته مرة أو عدة مرات، لكنها مواقف حياتية ثابتة، يتعمد أصحابها أن يستمروا فيها ويكرروها ولا يخرجوا عنها بكل الطرق والأشكال. بل إنهم فى كثير من الأحيان يبحثون عنها ويتجهون إليها (تماماً كالإدمان)؛ فحتى يكون (الضحية) دائماً (ضحية)، فهو يبحث عن علاقة طرفها الآخر (جاني)، والجاني حتى يكون (جانياً)، دائماً ما ينجذب إلى من يحب أن يلعب دور (الضحية)، والمنقذ كذلك يبحث عن (الضحية) ويدخل معها فى علاقة يقوم فيها بلعب دوره ببراعة.

أما بخصوص إدمان دور معين فى الحياة، فنجد بعض الناس يدمن ويكرر ولا يمل من لعب دور (الضحية) فى علاقاته، فهو دائماً الشخص الذي يحاول إسعاد وإرضاء كل من حوله، يفضل غيره على نفسه طوال الوقت، يعطي بلا حدود ولا ردود، يضغط على نفسه ويحرمها ويجور عليها بدون مبرر، يبقى دائماً خادماً مطيعاً، وتابعاً هادئاً لا يشكو ولا يئن، ورغم أن هذا الدور يبدو للوهلة الأولى طيباً وبراقاً، لكن صاحبه فى الحقيقة يعاني وينزف ويتنازل عن حقوقه تحت إدعاء أنه دائماً (ضحية).

ونجد كذلك من يدمن ويكرر بصورة لافتة فى علاقاته دور (الجاني)، ذلك الشخص الصعب الذى لا يرضى، ولا يسامح، ولا يعذر، يتوقع من كل من حوله العطاء والتضحية والبذل بدون مقابل، لا يهمه سوى نفسه، ونفسه فقط، على حساب أي أحد وأي شيء.

ونجد أخيراً من يدمن لعب دور (المنقذ)، وهو من يقوم دائماً بالتدخل لإنقاذ الآخرين، يقدم الحلول ويجيب على الأسئلة، يساعد بكل سخاء، يسمع ويفهم ويطيب الخاطر، يمسح الدموع ويربت على الأكتاف، يبدو حكيماً طوال الوقت، رزيناً دائماً، حانياً أبداً.

مشكلة هذه الأدوار أنها ليست فقط مواقف عارضة قد يمر بها أي شخص عادي فى حياته مرة أو عدة مرات، لكنها مواقف حياتية ثابتة، يتعمد أصحابها أن يستمروا فيها ويكرروها ولا يخرجوا عنها بكل الطرق والأشكال. بل إنهم فى كثير من الأحيان يبحثون عنها ويتجهون إليها (تماماً كالإدمان)؛ فحتى يكون (الضحية) دائماً (ضحية)، فهو يبحث عن علاقة طرفها الآخر (جاني)، والجاني حتى يكون (جانياً)، دائماً ما ينجذب إلى من يحب أن يلعب دور (الضحية)، والمنقذ كذلك يبحث عن (الضحية) ويدخل معها فى علاقة يقوم فيها بلعب دوره ببراعة.

اظهار أخبار متعلقة


اظهار أخبار متعلقة



الإدمان إذن ليس فقط إدمان المخدرات، الإدمان له صور وأشكال وأنواع كثيرة لا حصر لها ولا عدد، أبسطها وأوضحها إدمان المخدرات، وأخطرها على الإطلاق - فى وجهة نظري - إدمان العلاقات السامة، وإدمان الأدوار الحياتية المؤذية.

*د.محمد طه
أستاذ الطب النفسي

  

 

اظهار أخبار متعلقة


اضافة تعليق