"عداس النصراني" الذي كافأ الله به نبيه بعد محنة الطائف.. ما لاتعرفه عنه

الخميس، 21 نوفمبر 2019 10:24 ص
مسجد_عداس
مسجد عداس


بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس حزينا بعد أن صده أهل الطائف عن دعوته، مثخنًا بالجراح الذي أدمى قدمه الشريفة وشج رأسه، تحرّكت بعض العاطفة في قلبي ابنَي ربيعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فدعوا غلامًا لهما نصرانيا اسمه عدّاس، وقالا له -كما ترويه كتب السير-: خذ قطفا من العنب، واذهب به إلى الرجل، فلما وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده إليه قائلا: ( باسم الله ثم أكل، فقال عدّاس: إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أيّ البلاد أنت؟ قال: أنا نصراني من نينوى (بلدة بالعراق)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمِنْ قرية الرّجل الصّالح يونس بن متّى؟.

فدُهِش عدَّاس وقال للنبي صلى الله عليه وسلم متعجبًا: وما يدريك ما يونس؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك أخي، كان نبيّا وأنا نبيّ. فأكبّ عدّاس على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجليه يقبلهما، فلمّا جاء عدّاس قالا له: ويلك يا عداس! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي

اظهار أخبار متعلقة


منحة بعد محنة

لم يكن عداس بالأمر الهين على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان المنحة الربانية التي منحها لنبيه
لم يكن عداس بالأمر الهين على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان المنحة الربانية التي منحها لنبيه
صلى الله عليه وسلم بعد رحلة من العذاب والصد، فقد كان " عداس " هو بصيص النور للنبي صلى الله عليه وسلم بعد تلك الحلكة والظلمة الشديدة بعد الطائف، فقد جاء اسلام عداس بردًا وسلامًا على قلبه صلى الله عليه وسلم، وهنا نتعلم عدم الإياس من روح الله عز وجل ، وأنه لا يغلب عسر يسرين.

فحين فكَّر صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى أرضٍ جديدة يُجري بها ماءَ الدعوة؛ لعلها تجود بالخير الذي بخِلت به أرضُ مكة، اختار الطائف؛ لعلها تكون المكان الذي يُسمَع فيه صوت الحق، ويعينه أبناؤه على أعدائه، خاصة وأن الطائف أعظمُ قرية في العرب من حيث المساحة والسكان، والتجارة، والمكانة الدينية والقبلية، وتأتي في المكانة بعد مكة.

 وعاد النبي صلى الله عليه وسلم يشقُّ طريق العودة شقًّا، ويحمل كربه وهمومه من جرَّاء أثقال الاعتداء الذي جرى عليه في الطائف، وخشية الاعتداء الذي ينتظره في مكة حين يعلم أهلُها بما حدث له مع ثَقِيف.

زِدْ على ذلك الوعورة الطبيعية للطريق، وهو وإن قطعه ذهابًا إلى الطائف مشيًا على قدميه، فإنه لم يكن يُحِسُّ لوعورته هذه أثرًا؛ لما كانت أحلامه وآماله تحمله خلال مسيره، لكنه الآن يحمله وقد ارتدَّت الأمال وغابت الأحلام!

 ولهذا كله كان التعبير النبويُّ يحمل أسى ومرارة تظهرها كلماته صلى الله عليه وسلم عن هذه الرحلة، ومنها قوله: ((فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي، فلم أستَفِقْ إلا وأنا بقرن الثعالب)).

لم تُصِب الهدايةُ أهلَ القريتين العظيمتين، لكنها أصابت عبدًا مغمورًا، كان يخدم في بستانٍ بالمكان الذي ألجئ إليه النبيُّ
لم تُصِب الهدايةُ أهلَ القريتين العظيمتين، لكنها أصابت عبدًا مغمورًا، كان يخدم في بستانٍ بالمكان الذي ألجئ إليه النبيُّ
صلى الله عليه وسلم يحتمي فيه من سفهاء الطائف وصبيانهم الذين أغراهم به ساداتُهم، فاجتمعوا عليه صلى الله عليه وسلم يُؤذونه بالحجارة.

 كان ذلكم المكان حائطًا لعُتْبة بن ربيعة وشَيْبة بن ربيعة، فلما دخله ‏النبي صلى الله عليه وسلم، عمَد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه،‏‏ وكان ابنا ربيعةَ ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، فتحرَّكت له رحمُهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًّا، يقال له: عدَّاس، فقالا له‏‏:‏‏ خُذْ قطفًا من هذا العنب، فضَعْه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقُلْ له يأكل منه‏‏.‏‏

 ففعل عداس، ثم أقبَلَ به حتى وضعه بين يدَي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له‏‏:‏‏ كُلْ، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده، قال‏‏:‏‏ ((بسم الله))، ثم أكل وتعرف على النبي وعرف ما جاء به كما أوردنا في القصة..

 هذه هي اللحظة التي أسفرت فيها الهدايةُ عن وجهها المضيء، فبدت أنوارها، ما إن سمع عداس كلمة "بسم الله" حتى نظر في وجهه صلى الله عليه وسلم كأنه يستجليه شيئًا، ويستنبئه حقيقةً، ثم قال‏‏:‏‏ "والله، إن هذا الكلام ما يقوله أهلُ هذه البلاد!".

 فقدم عداس الفعل وأخَّر القول؛ ليتعرَّف بنبأ الفعل على صدق القول وسلامته من الكذب، لقد نظَر في الوجه الأنور الأنضر يتلمَّس أَمارات وأدلة تُنبئه عن صدق الجواب الذي سيجيب به صاحبه عن سؤاله: (والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد)، فلما جاءه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ ((ومِن أهل أيِّ البلاد أنت يا عداس، وما دينك‏‏؟))،‏‏ لم يتردد في الجواب وقال‏‏:‏‏ نصراني، وأنا رجل من أهل نِينَوَى؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏‏ ((مِن قرية الرجل الصالح يُونُس بن متَّى؟))، فقال له عداس‏‏:‏‏ وما يُدريك ما يونس بن متى‏‏؟‏‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏:‏ ((ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبي))، فأكَبَّ عدَّاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبِّل رأسه ويدَيْه وقدمَيْه‏‏، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أشهدُ أنك عبد الله ورسوله.‏‏

 لقد أتى الهدى إلى عداسٍ حيث هو في مكانه، لم يَسْعَ إليه، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم
 لقد أتى الهدى إلى عداسٍ حيث هو في مكانه، لم يَسْعَ إليه، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم
قد أُلجئ إلى هذا الحائط دون غيره حتى يُسلِم عدَّاس، حين أبى جميعُ الناس.

وقال أهل السير إن عداسًا كان على علمٍ بالكتاب الأول، وأنه كان ينتظر ظهور النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، كما كان يفعل وَرَقة بن نوفل، وقُسُّ بن ساعدة الإيادي، وإخوانُهما من الحنفاء.

ولم يكن عدَّاس سوى  عبدٌ أو خادم في البستان، وبإذن سيِّدَيْه جاء بقطفِ العنب فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان سيِّداه هذان يرقبانه من بعيد ذهابًا وإيابًا، ويريان ما يفعل مع النبي صلى الله عليه وسلم، وبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم وعداس يتحاوَران، كان حديث من نوع آخر يدور بين هذين السيِّدين، يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه‏‏:‏‏ أما غلامك، فقد أفسَده عليك‏‏.‏‏

 إنها الهداية ثانية وثالثة، وعدد حبَّات رمال الصحراء تلوح أمام الأعين وتقدِّم براهينها، فيقبلها مَن يقبلها ويُعرِض عنها مَن يعرض، وللمقادير مع الهداية نبأٌ آخر عجيب، يقبَلها عدَّاس العبد أو الخادم، ويُعرِض عنها شيبة وعتبة ابنا ربيعة السيدان الكبيران.

فلَمَّا جاءهما عدَّاس: قالا له‏:‏‏ ويلك يا عدَّاس‏‏!‏‏ ما لك تُقبِّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه‏‏؟‏‏..  قال‏‏:‏‏ يا سيدي، ما في الأرض شيء خير مِن هذا، لقد أخبرني بأمرٍ ما يعلمه إلا نبيٌّ.

 واكتفيا عتبة وشيبة نحو عداس بالقول المارق‏:‏‏ ويحك يا عداسُ! لا يصرفنَّك عن دينك؛ فإن دينك خيرٌ مِن دينه.

من هو عداس؟

 لم يعرف العلماء مِن نسب عدَّاس إلا اسمه هذا، وغاية ما نقول: "عداس النِّينَوي"، فننسبه إلى بلده التي انتسب إليها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 فقد ذكر الواقدي في قصة غزوة بدر عن حكيم بن حزام أن عداسًا كان جالسًا على الثنية البيضاء حينما خرج الناس لبدر يمرُّون عليها، فلما رأى شيبة وعتبة ابني ربيعة خرَجا إلى ساحة الحرب، وثب فأخذ بأرجلهما يقول: بأبي وأمي أنتما، والله إنه لرسولُ الله، وما تُساقان إلا إلى مصارعكما.

  قد كان به أملٌ أن يصدِّق سيِّداه بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُخيِّب أملَه في إسلامهما
قد كان به أملٌ أن يصدِّق سيِّداه بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُخيِّب أملَه في إسلامهما
قولُهما الذي قالاه قبل ذلك، كما لم يَثنِه عملهما هذا، فحين لم يجد منهما أذنًا مُصغِية، جلس يبكي وهو يتحسَّر على موقفهما، وما عساه أن يؤول إليه أمرهما، ومرَّ به - وهو في هذه الأثناء - العاص بن شيبة، فوجده يبكي، فقال: ما لك؟ فقال: يُبكيني سيداي وسيدا هذا الوادي، فيخرُجان ويُقاتلان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له العاص: إنه لرسول الله؟! فانتفض عداس انتفاضةً شديدة واقشعر جلده وبكى، وقال: إي والله، إنه لرسول الله إلى الناس كافة.

  ودل الموقف على حرص عداس على هداية الناس، وخاصة سيديه اللذين آوياه وأطعَماه، ولو بحقِّ خدمته لهما، وملكهما لرقبته، لكنهما على كلِّ حال صاحبا اللقمة التي يَطعَمُها، والمكانِ الذي يؤيه.

وفي العصر الحديث بنى بعضُ المسلمين عند بستان الطائف هذا، وفي مكان استراحة النبي صلى الله عليه وسلم - حسب توقعاتهم - مسجدًا، وأسموه مسجد عدَّاس؛ إشارة منهم إلى حبِّ هذا الغلام الصحابي رضي الله عنه وأرضاه.

 

اضافة تعليق