أخلاقك هي دعوة عملية.. بأمانة التجار المسلمين وحسن معاملاتهم انتشر الإسلام بدول آسيا وإفريقيا

خالد أبو سيف الأحد، 01 ديسمبر 2019 08:20 م
التجار المسلمون
التجار المسلمون في قرون الإسلام الأولى كانوا دعاة بالفطرة


انتشر الإسلام في كثير من دول العالم، بل وفي قارات مثل قارة آسيا دون أي حروب أو استخدام للقوة العسكرية، وكان ذلك بفضل أخلاق التجار المسلمين وأمانتهم وحسن معاملتهم لكل الناس بقرون الإسلام الأولي، وساعدهم على ذلك معرفتهم بعادات وتقاليد الشعوب في الدول التي كانوا يسافرون إليها.


 وكان لِيُسرِ الوسائلِ الدعوية وسلامتها، الأثرُ الواضحُ في اجتذابِ الأفئدة إلى دِين الله الحقِّ؛ حيثُ اتَّسمَت هذه الوسائلُ باللِّين والتسامُحِ؛ اهتداءً بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].


فدعوة الإسلام لا تفرِّق بين الأجناس البشرية، أو الألوان أو الأنواع أو الطبقات، فالجميع سواسيةٌ أمامَ الدَّعوةِ في سبيل الله؛ ولذا يقول أتر بوري: (بمجرَّد أنْ يدخل الزِّنجيُّ في الإسلامِ يَشعر بكرامة نفسه، بعدَ أن كان يعتقد ذاتَه عبْدًا، ويُصبح في نظر نفسه حُرًّا)، ويؤكِّد ذلك سبنسر ترمنجهام بقوله: (في حينِ نجد الكهنوت الغربيَّ - برسومه وتقاليدِه - معقَّدًا غايةَ التعقيدِ؛ ممَّا ينفِّر النفسَ البشرية، فإن الإسلامَ يأخذ المجتمعاتِ الإنسانيةَ بالرفق والأَنَاةِ؛ حتَّى لا تكونَ النقلة مفاجئة).
جاء على لسان أندري راسين صاحب كتاب "غينيا الفرنسية" قولُه: (إنَّ نموَّ الإسلامِ بين السود يَرجع لبساطة قواعده)، بحسب "الألوكة".

دعوة الإسلام لا تفرِّق بين الأجناس البشرية، أو الألوان أو الأنواع أو الطبقات

يقول عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122]، مِن هُنا، نجد أنَّ مِن سِمَات التجَّار المسلمين الالتزامَ بتطبيق المنهجِ القويمِ في سلوكهم، وفي حياتهم، فكان الصدقُ والأمانة، والإخلاص وعملُ الخيرِ مِن أهمِّ الوسائل التي وَصلوا بها إلى أعماق قلوب الناس.

دعاة بالفطرة
فكان التجَّارُ دُعاةً لِدِينهم بالفطرة، وكان هؤلاء التجَّارُ المشعلَ الذي أضاء طريقَ الدَّعوةِ للإسلام، فانتشَر مِن صدُورهم في أرجاء الكون؛ حيث كانوا نماذِجَ مُثْلَى يُحتذَى بها في جميع الأعمال الفاضلة.


و مِن أهمِّ السِّمات التي تحلَّى بها التجاَّرُ المسلمون، التواضعُ؛ حيث نجد أنَّ المعامَلةَ المبنيَّةَ على التودُّدِ والتواضعِ والإحسان، ركيزةُ الدَّعوة الإسلاميَّة، يقول باذل دافدسن: (لعلَّ مِن محامد العربِ المسلمين في موضوع الرِّقِّ، أنَّ العلائق بينهم وبين رقيقهم كانت إنسانيَّةً لحدٍّ بعيد).


وهناك مِن الصفات التي امتاز بها هؤلاء التجَّارُ حينذاكَ الكثيرُ، كالصِّدق والصبر، والخلُق الرفيع، والسلوك النَّزيه والأمانة، وقد كان لهذه الصفاتِ الأثرُ الحيويُّ في كسب الاحترام والثقة.


ومن هنا، انطلقتْ دعوةُ الإسلام في آفاق الدنيا، وانتشرت انتشارًا منقطِعَ النظير، شهدَ بذلك العدوُّ قبل الصديق، والبعيدُ قبل القريب، والغائب قبل الشاهد.

مِن أهمِّ السِّمات التي تحلَّى بها التجاَّرُ المسلمون التواضعُ

لقد كان الرَّعيلُ الأوَّلُ مِن التجَّار أهلَ عِلْمٍ ودرايةٍ بالمؤثِّرات النفسية على تلك الشعوبِ، فكانوا يَقضون فتراتٍ طويلةً متجوِّلين بين القبائل، خاصَّةً في المواسم التي لا تَستطيع دوابُّ التنقُّلِ السفرَ ما بين الساحل والظهير؛ مما أتاح الفرصةَ أمامهم للاستقرار بين ظهرانَيِ الأهالي والشعوب.
معرفة عادات وتقاليد الشعوب
جاء في بحث الأستاذ أحمد محمد العقيلي - والذي بعنوان "دَور التجَّار في نشْر الدَّعوة الإسلاميَّة" - قولُه: (وعن طريق الاستقرار بين الشعوب المدعوَّة، تمكَّنَ التجارُ مِن معرفة الكثير مِن العادات والتقاليد واللغات، التي كانت العاملَ الأساسَ في تمكُّن هؤلاء التجَّار مِن سَبْرِ غَوْرِ هذه الشعوب؛ وبذا استطاعوا النفاذَ إلى قلوب هذه الأُممِ بنشْر العقيدة الصحيحة).


ومن هذا المنطلَق، استطاع التجَّار - لكثرة احتكاكهم واختلاطهم بالأُمم - أن يقُوموا بالدَّور الرائد في نشْر دِين الله؛ حيث ترعرعَت الدَّعوة الإسلامية في ظلال التجار الذين غرسوها بأيدٍ أمينةٍ، وقلوبٍ مخْلصة، يقول عميدُ الدراسات التنصيريَّة ساللر: (إنَّ مِن أسباب انتشار الإسلام أنَّ الاتصال الإسلاميَّ كان أكثر، وأنَّ التجَّار المسلمين كانوا يُبدون للشعوب أنهم ليسوا بَعيدين منهم، والعامل الأكثر أهمية: أنَّ رسالة الإسلام إيجابيَّة ، وسهلةُ الفهم).


ويؤكِّد ذلك بقوله: (فالمسلم لا يَرسُم خطًّا لونيًّا بين الأبيض والأسود، فهو يأكل ويتزوَّج مِن ذوي البشرة السوداء، ومن ثم فلا عجبَ إذا نظر الزنوجُ إلى الإسلام على أنه دِينُ السُّود).


وهكذا فإن التجَّار المسلمين كانوا يُدركون حقيقة أنَّ مِن واجب المسلمين أن يكونوا جنودًا لِدِينهم في كل زمان ومكان، فكان أولئك التجَّارُ يقضون معظمَ أوقاتهم في الأمور التجارية؛ سعيًا وراء كسب رزقهم، هذا مِن ناحية، ومن ناحية أخرى في الدَّعوة إلى العقيدة الإسلامية، ولم يكن بينهم مَن يرى تَضارُبًا بين أعماله التجارية وانصرافه للدعوة، حيثما ساروا وأينما حَلُّوا.


بل كان أولئك التجَّار يُقَدِّمون كلَّ ما يَحتاج إليه العلماءُ والفقهاء مِن أمورٍ مادِّيَّة؛ كفتْح المدارس، وإيقاف العَقارات عليها، وبِناء المساجد ومساكن الطلبة، كما كانوا يُرسلون الطلَّاب النجباء في بُعوث إلى الجامعات الإسلامية في المغرب ومصر.
وفي كلِّ مكانٍ وَصَل إليه التجَّار، أقاموا الكتاتيبَ والمساجدَ والمدارسَ والمساكنَ، وقدَّموا المساعداتِ، ووقَفوا العقارات.


مستشرق: شتان بين سماحة المسلمين وتعصب غيرهم

وكما يقول المستشرق العظيم السير توماس آرنولد: ففي الوقت الذي كان يقتل فيه، في الأندلس، كل من يقول لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وحتى أُجلي الإسلام، وحضارة الإسلام، عن أسبانيا، كان الإسلام نفسه يكسب أرضا جديدة، ومسلمين جددا في سومطرة، والملايو. وشتان الفرق إذن بين تعصب يقتل المسلمين في أرضهم، وسماحة تجذب المواطنين في غير أرض الإسلام إلى الإسلام!.

كان التجَّار يُقَدِّمون كلَّ ما يَحتاج إليه العلماءُ والفقهاء مِن أمورٍ مادِّيَّة؛ كفتْح المدارس، ووقف إيقاف العَقارات عليها، وبِناء المساجد

فقد وصل الإسلام إلى ما يعرف اليوم بأندونيسيا، وهي أكبر أقطار العالم الإسلامي قاطبة، من حيث عدد السكان، عن طريق التجار العرب والفرس، في القرن السابع الهجري، وشهد عام 676ه إسلام ملك جزيرة مالقة على التجار المسلمين، الذين قدموا إليها من مدينة جدة، ونشأت بذلك أولى ممالك الإسلام، في تلك الناحية، وهي مملكة قدر لها أن تكون مصدر هداية لبقية أنحاء القطر.


وعن طريق التجار العرب، القادمين من اليمن، والعراق، وصل الإسلام إلى الفلبين، خاصة في جزر جزر سيليبس، والمولوك، وصولو، وميندناو.
ووصل إلى بلاد لاوس، وسيام، المعروفة اليوم باسم تايلاند، وبورما، المعروفة اليوم باسم مانيمار، ومناطق خليج البنغال في الغرب.


دول إفريقية لم يدخلها جندي مسلم
وهنالك دول في قارات أخرى لم يدخلها جندي مسلم واحد، ومع ذلك انتشر فيها الإسلام، انتشارا واسعا، كما هو الحال في كثير من الأقطار الإفريقية، لاسيما تلك التي تقع جنوب الصحراء.


ومن المدهش أن هؤلاء التجار لم يكونوا دعاة محترفين، وكما يقول العلامة الدكتور علي الغتيت: فقد اتضح للغرب أن الإسلام انتشر في إفريقيا عن طريق العرب، الذين توغلوا فيها لنقل تجارتها إلى الشرق، وإلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، على أن العرب لم يكن لهم مبشرين، انقطعوا للدعوة للدين الإسلامي بين أهل إفريقيا، ولكن الإفريقيين هم الذين اعتنقوا الدين الإسلامي، طوعا واختيارا، كما لم يكن للعرب جندي واحد في تلك الأراضي.


وحقا ما قال الدكتور، فلم يستند هؤلاء الدعاة الأماجد إلى قوة عسكرية فاتحة، تبسط لهم سلطانا في الأرض، وإنما اجتازوا الصحراء الكبرى بقوافلهم المحملة بالبضائع، وكان همهم الأول هو التجارة مع السكان، ولكنهم احتملوا معهم التعاليم الإسلامية، وتحلوا بالسلوك العملي الحميد، من حيث الأمانة والتعفف.

اظهار أخبار متعلقة


اظهار أخبار متعلقة



وقد ساعد ذلك في تقديم صورة حسنة عنهم لدى السكان، ساعدت في قبول ما دعوا إليه من الرشد القويم.
وهكذا كان العامل التجاري مهما جدا في نشر الإسلام في تلك البقاع، الأمر الذي بهر أحد المؤرخين الإنجليز، المحدثين، وجعله يندفع إلى حد التعميم، فيقول:" إن الإسلام والتجارة يرتبطان إلى حد كبير ".
لقد كانت العلاقةُ وطيدةً وثيقةً بين التجارة والدعوة، وقد كان التواصلُ بين التجار والدعوة إلى عقيدة الإسلام قويًّا متينًا، وبهذا امتاز المسلمون، وشهد لهم بذلك الأعداءُ.


اضافة تعليق