بيعة العقبة الأولى.. تمهيد للهجرة ودستور متكامل وزوال للخلافات القبلية

الإثنين، 02 ديسمبر 2019 09:00 م
بيعة العقبة الأولى
بيعة العقبة الأولى مهدت للبيعة الثانية ثم الهجرة

بيعة العقبة الأولى ظهر مفهوم البيعة في الإسلام، لأول مرة في عام 625م وتسمى بيعة العقبة الأولى، حيث بايع 12 رجلاً - من قبيلتي الأوس والخزرج قدموا من يثرب- الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في مكة، وكانت هذه البيعة وكذلك بيعة العقبة الثانية فيما بعد تمهيد للهجرة من مكة إلى يثرب.

 

ولا يزال موقع البيعة الشهير موجوداً في مكة المكرمة بالقرب من الجمرات في منى، وقد أعاد تجديد المكان أبو جعفر المنصور ليصبح شاهداً على البيعة الأولى في التاريخ الإسلامي.


 وفد المسلمين الذين بايعوا النبي في بيعة العقبة الأولى، أصبحوا بعد ذلك نواة الأنصار، وكان للبيعة أثرٌ عظيمٌ على قيام الدولة الإسلاميَّة بعد ذلك.

الصحابي الجليل جابر بن عبد الله بن رئاب رضي الله عنه لم يحضر بيعة العقبة الأولى، وهو أحد الستَّة الأوائل

الصحابي الجليل جابر بن عبد الله بن رئاب رضي الله عنه لم يحضر بيعة العقبة الأولى، وهو أحد الستَّة الأوائل

وهؤلاء الأنصار هم: أسعد بن زرارة الخزرجي ورافع بن مالك الخزرجي و قطبة بن عامر الخزرجي وعقبة بن عامر الخزرجي و عوف بن الحارث الخزرجي و معاذ بن الحارث الخزرجي وذكوان بن عبد القيس الخزرجي و عبادة بن الصامت الخزرجي و يزيد بن ثعلبة الخزرجي و العباس بن عبادة الخزرجي وأبو الهيثم بن التيهان الأوسي و عويم بن ساعدة الأوسي.


ونُلاحظ على هذه الأسماء أنَّ خمسةً منهم -وهم الخمسة الأوائل في القائمة- كانوا من الستَّة الذين أسلموا في العام  السابق للبيعة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختفى ذكر الصحابي الجليل جابر بن عبد الله بن رئاب رضي الله عنه من البيعة، وهو أحد الستَّة الأوائل الذين أسلموا قبل ذلك، ويبدو أنَّ هناك مانعًا منعه من السفر إلى مكة في هذه الرحلة المهمَّة، ولكنَّنا سنجده بعد ذلك مشاركًا في كلِّ غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة بداية من بدر.


زوال الفوارق القبلية
ونلاحظ كذلك على الأسماء أنَّ بها اثنين من الأوس، وهذا يدلُّ على أنَّ الفوارق القبلية لم يَعُدْ لها وجودٌ في أعين الدعاة الخزرج، فحملوا دعوتهم إلى أناسٍ كانت معهم حروبٌ كبيرةٌ منذ أعوامٍ قليلة، كما يُحْسَب للأنصارِيَّيْن من الأوس -أبي الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة رضي الله عنهما- أنَّهما قَبِلا أن يدخلا في دعوةٍ جاءت على يد منافسيهم من الخزرج.


التقى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الوفد الكريم من الأنصار، وعقد معهم مباحثات مهمَّة للغاية، كان الرسول صلى الله عليه وسلم فيها حريصًا على تأسيس النواة الأولى التي ستقوم على أكتافها الدولة الإسلاميَّة بعد ذلك؛ فالقرائن الآن تُشير إلى أنَّ هذه المدينة الجديدة يثرب قد تصلح لاستقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين. نَعَم هذا ليس على وجه اليقين؛ لأنَّ معظم سكان يثرب لا يزالون مشركين؛ ولكن الفرصة صارت كبيرة؛ لأنَّ هؤلاء الاثني عشر رجلًا جاءوا مقبلين وراغبين في استمرار العمل، وأخبارهم تُوحي أنَّ دعوة الإسلام تلقى قبولًا في يثرب، وليست الفكرة مرفوضةً كرفضها في مكة المكرمة، ولعلَّ هذا للخلفيَّات التي ذكرناها من قبل عند ذكر إيمان الستة الأوائل.

فرض رسول الله في هذه البيعة على الأنصار شروطًا لم يفرضها على المسلمين الستة الأوائل

في هذه المباحثات التي تمَّت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاثني عشر رجلًا عهدًا عُرِف في التاريخ ببيعة العقبة الأولى، وقد سُمِّيت بالعقبة للمكان الذي عُقِدت عنده، وسُمِّيت الأولى تمييزًا لها عن الثانية التي ستحدث في المكان نفسه بعد عامٍ كاملٍ من بيعة العقبة الأولى.

 

شروط جديدة
في هذه البيعة سيفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار شروطًا لم يفرضها على المسلمين الستة الأوائل؛ لأنَّ المسلمين الأوائل كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام، ولم يكن من الحكمة تحميلهم الفروض الكثيرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا التدرُّج في الأمور كلِّها، حتى في تكاليف الإيمان؛ فهو الآن يطلب أمورًا ما طلبها منهم قبل ذلك، وسيسكت عن أمورٍ سيطلبها منهم فيما بعدُ عندما يرتفعون أكثر في سُلَّم الإيمان، وهكذا لكلِّ مقامٍ مقال، ولكلِّ حادثٍ حديث.

يروي لنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه تفاصيل هذه البيعة الشريفة، وبنودها الخالدة؛ فلقد كانت قليلةً في المبنى؛ لكنَّها عظيمةٌ تامَّة العظمة في المعنى!.


بنود بيعة العقبة الأولى
عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ -وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ-: «تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى:

أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا
وَلَا تَسْرِقُوا
وَلَا تَزْنُوا
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ
وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ
وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ
فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ». قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَى ذَلِكَ.


دستور متكامل
وفي روايةٍ أخرى زاد عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه وصفًا للبيعة بقوله: «فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الْحَرْبُ». ثم ذكر البنود نفسها المذكورة في الرواية الأولى، وقد سُمِّيَت البيعة ببيعة النساء؛ لأنَّها شبيهة ببيعة النساء التي تمَّت بعد فتح مكة في العام الثامن من الهجرة، ومن المعروف أنَّ الجهاد ليس مفروضًا على النساء، وكذا لم يكن مفروضًا على الأنصار في هذه المرحلة.

اظهار أخبار متعلقة


اظهار أخبار متعلقة



لقد أُوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلام، فمع أنَّ هذه البيعة قليلة الكلمات فإنَّها تحوي دستورًا متكاملًا لبناء اللبنة الأساسيَّة التي تقوم على أكتافها أُمَّة صالحة، ولهذا نجد أنفسنا نحتاج مجلَّدات وسنوات لدراسة هذه الكلمات القليلة السريعة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه البيعة.

اضافة تعليق