سرية الرجيع.. مؤامراة من المشركين وغدر واستشهاد 10 من الصحابة

بقلم | خالد يونس | الثلاثاء 14 يناير 2020 - 08:19 م

في صفر من السنة الأولى من الهجرة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رهط من عضل والقارة ، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القران، ويعلموننا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله معهم نفرا ستة في رواية ابن إسحاق، وقيل عشرة في رواية البخاري، وهو الأصح، ليؤدوا هذه المهمة السامية، وليكونوا عيونا على قريش والمشركين، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح .

فساروا حتى إذا كانوا بالرجيع - وهو اسم موضع من بلاد هذيل بين مكة وعسفان على ثمانية أميال من عسفان ،غدروا بهم، واستصرخوا عليهم بني لحيان من هذيل- هم قوم سفيان بن خالد الهذلي الذي قتله عبد الله بن أنيس- فنفروا إليهم في مائتي رجل، فلم يرع المسلمين وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فلجأ رجال السرية الى ربوة عالية، واستعصموا بها، وأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فلجأ المشركون إلى الخديعة وقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألانقتلكم.

فأما عاصم وآخرون فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا، وأبوا التسليم، وقاتلوا حتى استشهدوا، واغتر بعهداهم خبيب بن عدي، وزيد بن الدّثنّة، وعبد الله بن طارق، فنزلوا إليهم فلما استمسكوا بهم حلّوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها، فقال عبد الله: هذا أول الغدر حتى إذا كانوا بالظهران في طريقهم إلى مكة انتزع عبد الله يده منهم، ثم استأخر عنهم وأخذ بسيفه ليقاتلهم، فرجموه بالحجارة حتى مات شهيدا، وأما خبيب وزيد فباعوهما لأناس من أهل مكة بأسيرين من هذيل، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر ليقتلوه بأبيهم الذي قتله يوم بدر، واشترى زيدا صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فحبسوهما حتى انتهت الأشهر الحرم فأخرجوهما إلى التنعيم فقتلوهما.


ويروي سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه تفاصيل هذه المؤامرة وأحداثها فيقول: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم سَريَّةً عيناً (له على الأعداء حول المدينة)، وأمَّرَ عليهم عاصم بن ثابت، وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كان بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هُذَيْلٍ يقال لهم: بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلاً نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فَدفد (مكان مرتفع)، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموهم حتى قتلوا عاصماً في سبعةِ نفرٍ، وبقِيَ خُبَيْبُ بنُ عديٍّ وزيدُ بنُ الدَّثِنة ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق إن نزلوا إليهم، فلمَّا استمكنوا منهم حلُّوا أوتار قِسيِّهم (حبال نبالهم) فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر، فأبَىَ أن يصحبهم فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل.

كرامة للصحابي خبيب بن عدي يأكل العنب وهو في الأسر   وما في مكة بذلك الوقت عنب

 وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا، حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى (موس حلاقة) من بعض بنات الحارث ليستَحدَّ (يحلق عانته) بها فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني وفي يديه الموسى، فقال : أتخشين أن أقتله؟ ما كنتُ لأفعل ذلك إن شاء الله، وكانت تقول: ما رأيت أسيرا قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف (عنقود) عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو، ثم قال: اللهم احصهم عدداً، ثم قال:

        ولستُ أُبَالِي حين أُقتل مسلماً   على أي شق كان لله مصرعي 

        وذلك في ذات الإله وإن يشأ      يبارك على أوصالِ شِلوٍ مُمزَّعِ


ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، ومات رضي الله عنه شهيد إيمانه وإخلاصه.

وأما زيد بن الدثنة فلما جاؤوا به ليقتلوه وعاين الموت، قال له أبو سفيان بن حرب: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا الان عندنا مكانك تضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدا الان في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي!! فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدا من الناس يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا!! ثم قام إليه نسطاس عبد لصفوان- فقتله رضي الله عنه.
الصحابي عاصم بن ثابت أعطى الله عهدا ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركا

الصحابي عاصم بن ثابت أعطى الله عهدا ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركا

ولما قتل عاصم بن ثابت أمير السرية أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكان قتل ابنيها يوم أحد، فنذرت لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ في قحفه الخمر. ولكن الله عز شأنه منعه، فبعث على جسده مثل الظلّة من الدبر ، وكذلك أرادت قريش أن تنال من جسده فلم يستطيعوا، فقالوا: دعوه حتى يمسي فيذهب عنه الدبر فنأخذه، فغيبه الله في الوادي، فما عرفوا له أثرا.


وكان عاصم رضي الله عنه قد أعطى الله عهدا ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا تنجسا، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر ألايمسه مشرك، ولا يمس مشركا أبدا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته، كما امتنع منه في حياته .

اظهار أخبار متعلقة


اظهار أخبار متعلقة



اقرأ أيضاً