هل أكل الجمبري حرام لشبهه بالعقرب والدود؟.. "الإفتاء" ترد

أنس محمد الإثنين، 20 يناير 2020 01:27 م
الجمبري



بعض الناس ينسبون إلى المذهب الحنفي تحريم أكل الجمبري؛ حيث إنه لا يباح عندهم إلا الأسماك فقط، وانطلاقًا مِن شبهه بالعقرب أو الدود؛ حيث يحرم من حيوانات البحر ما شابه المحرَّم من حيوانات البَرِّ.

إلا أن دار الإفتاء المصرية، فندت هذه المزاعم، واستدلت بآراء الكثير من الفقهاء، في حل أكل الجمبري، كما عرضت للمذاهب الأربعة في الحديث حول الجمبري.

ما هو الجمبري؟

الجمبري: حيوان مائي صغير لا فقاري من القشريات، يتنوع إلى حوالي ألفي نوع، وهو معروف.

ويُسَمَّى في بلاد المغرب العربي باسم "القَمرون"، وهي تسمية مغربية قديمة؛ ينسبها العلَّامة ابن البيطار في القرن السابع الهجري لأهل الأندلس في كتابه "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"، وما زالت هذه التسمية مستخدمة عند أهل المغرب حتى الآن، وهي لهجة أندلسية.

وكان "الجمبري" يُسَمَّى عند أهل مصر قديمًا "بالقُرَيْدِس"، كما نص عليه شيخُ العشَّابين في الديار المصرية العلَّامة أبو محمد بن البيطار (ت646هـ) في كتابه "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" (2/ 146) حيث يقول: [رُوْبِيَان: هو سمكٌ بحريٌّ تُسَمِّيه أهلُ مصرَ: "القُرَيْدِسَ"، وأهلُ الأندلس يعرفونه "بالقَمرون]، وعدَّ "القُرَيْدِس" ضمن تسعة وسبعين نوعًا من أنواع السمك المعروفة في مدينة "تِنِّيس" بالديار المصرية، وما زالت هذه التسمية باقيةً حتى الآن عند أهل الشام.

وقد يُسَمَّى "الجمبري" بأسماء أخرى؛ منها:

- "الجراد البحري" كما نقله العلَّامة ابن البيطار في "الجامع"  و"برغوث البحر" و"أبو جلنبو"؛ حيث ذكر العلامة الأنطاكي في "تذكرته" أنَّ الروم تُسَمِّيه بذلك.

ويُسَمِّيه "بالرُّوبِيان" أهلُ الخليج والعراق حتى الآن.

فتحصَّلَ مِن ذلك يقينًا: أنّ "الجمبري" -المعروف بين الناس "بالقُرَيْدِس" و"القَمرون"، وباللغة الإنجليزية (Shrimp) و(Prawns)- هو عينُه "الإِرْبِيَانُ" و"الرُّوْبِيَانُ" المنصوصُ عليهما في كتب السابقين من أهل اللغة والفقه والحيوان والطب وغير ذلك، كما يُعْلَم مِن النقل السابق عن العلَّامة ابن البيطار، وكما يُعْلَمُ مِن وصف "الإِربِيان" و"الرُّوبِيَان" في كتب السابقين؛ حيث يصفه الصاحب بن عباد بأنه: [سمك أحمر نحو الإصبع المعقوفة]، ويصفه الجوهري والفيروزآبادي بأنه: [أبيض كالدود]، ويصفه الدميري بأنه: [صغير جدًّا أحمر] ، ويصفه داود الأنطاكي بأنه: [أحمر كثير الأرجل نحو السرطان لكنه أكثر لحمًا].

ونص أهل اللغة على أن الجمبري نوع من أنواع السمك، وقد نص السادة الحنفية على إباحة أكل جميع أنواع السمك، من غير تفريق بين نوعٍ ونوع.

وعلة القول بإباحة أنواع السمك المختلفة عند الحنفية: اندراجُها تحت اسم "السمك" في اللغة، قال العلامة العيني الحنفي في "البناية شرح الهداية" (10/ 730، ط. دار الفكر): وقال: ولا بأس بأكل الجِرِّيث والمارماهي وأنواع السمك والجراد (الجِرِّيث: السمك السود: والمارماهي: السمكة التي تكون في صورة الحية.

ونقل الإجماعَ على إباحة السمك بكلِّ أنواعه كذلك غيرُ واحد من العلماء:

قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (13/ 86، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقد أجمع المسلمون على إباحة السمك] اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (9/ 619، ط. دار المعرفة): [لا خلاف بين العلماء في حِلِّ السمك على اختلاف أنواعه] اهـ.

فكلُّ ما كان من جنس السمك لغةً وعرفًا فهو حلالٌ عند الحنفية بلا خلاف في ذلك، وجاء في نصوص علمائهم التصريحُ بحلِّ أكل الرُّوبِيَان بخصوصه مع غيره مِن أنواع السمك بلا خلاف؛ لدخوله في مُسمَّى "السمك" لغةً وعُرفًا، وسبق سياق نص العلامة الفيروزآبادي -وهو من علماء الحنفية- على أن الإِرْبِيَان مِن السمك.فكلُّ ما كان من جنس السمك لغةً وعرفًا فهو حلالٌ عند الحنفية بلا خلاف في ذلك

فكلُّ ما كان من جنس السمك لغةً وعرفًا فهو حلالٌ عند الحنفية بلا خلاف في ذلك


وهذا هو ما عليه العمل والفتوى لدى علماء الحنفية في الديار الهندية والباكستانية وغيرها.

على أن ما نقله ابن قدامة وصاحب "معراج الهداية" عن أصحاب الإمام الشافعي مِن تحريم أكل السمك الصغار التي تُقلَى من غير أن يُشَقَّ جوفها: إنما هو أحد الوجهين عند الشافعية، والمُرَجَّحُ عندَهم الحِلُّ؛ إمَّا لطهارة رجيعه عند الإمام الروياني واحتج له غيرُه بأنه يُعْتَدُّ ببيعه، وإمَّا للمُسامحة لعُسر شقه وإخراجه عند الإمام القفال وصححه الإمام الفوراني وغيره؛ كما في "المجموع" للإمام النووي.

ثم إن التحريم عند مَن قال به متعلِّقٌ بالسمك الصغار الذي يحوي في جوفه رجيعًا؛ لقولهم بنجاسة رجيعه، أمَّا إطلاقُ القول بتحريمه ولو أُخْرِجَ ما في جوفه، أو بتحريم السمك الصغار مطلَقًا حتى ما لا رجيعَ فيه كالإربيان ونحوه: فلا قائلَ به، وهو مخالفٌ لما تقرر عند الحنفية من فروعٍ مبنيةٍ على حل السمك الصغار؛ كجواز السلم فيه، بل هو مخالف للإجماع الذي نقله الحنفية وغيرهم في حل جميع أنواع السمك.

ولا يَرِدُ على ذلك أيضًا: ما ذُكِرَ مِن مشابهة الجمبري للعقرب أو الدود، وهما من حيوانات البر المحرمة؛ حيث نُقِل الاختلافُ بين الفقهاء في حكم ما كان من حيوان البحر على صورة غير المأكول من حيوان البر؛ وذلك لعدة أوجه:

أولها: أن هذا الخلاف مخصوص عند الحنفية بالسمك؛ فما كان من أنواع السمك فهو عندهم حلال حتى لو شابه ما حَرُمَ مِن حيوانات البر؛

ثانيها: أنه لا تشابه في الحقيقة بين الجمبري والعقرب أو الدود؛ فالجمبري من طائفة القشريات، وهو معدود مِن طيبات السمك عند العرب وغيرهم وفي أعراف الناس، وهو مفيد ونافع للطعام والصحة ويُعَدُّ من أشهر المأكولات البحرية وأشهاها، وفيه فوائد عدة: حيث يحتوي على كمية كبيرة من الكالسيوم واليود والبروتين والكولسترول مع انعدام نسب الدهون المشبعة؛ فهو أيضًا مفيد للدورة الدموية.

أما العقرب فمن طائفة العنكبوتيات، ومعظم أنواعه سامٌّ، وهو مستقذَرٌ طبعًا وشرعًا وعُرفًا، بل هو من الفواسق الخمس التي صرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتلها في الحِلِّ والحرم لِكَفِّ أذاها؛ فلكل منهما خصائص ومميزات تجعله مختلفًا تمام الاختلاف عن الآخر، وإن ادُّعِيَ التشابهُ الظاهريُّ بين بعض أنواعهما، وكذلك الحالُ في الدُّود؛ فإنه مُستَقْذَرٌ كذلك، وما يكون من التشابه الظاهري بينه وبين الجمبري لا يُنْبِئُ عن أي مشابهة حقيقية بينهما في الخصائص أو المميزات.

ثالثها: أن العبرة في التحريم -عند من قال به- ليست مطلق المشابهة في الصورة، بل التوافق في الصفات والخصائص المقتضية للتحريم؛ فالمارماهي -وهو ثعبان البحر- حلال عند الحنفية، ولا يخرجه عن الحل مجردُ المشابهة الصورية لثعبان البر.

وأما الإفتاء بأولوية تركه اجتنابًا لشبهة الخلاف فيه: فهو إنما يتفرع على ثبوت الخلاف، وقد ذكرنا أن نقل الخلاف فيه غيرُ معتمد، كما أن المفتَى به عند السادة الحنفية منذ قرون متطاولة: أنه لا يُفْتَى بالأورع أو الأحوط؛ لأن الزمانَ لم يَعُدْ زمانَ اجتناب الشبهات.

وعلى ذلك فالإربيان (الجمبري) حلالٌ عند جميع الفقهاء، ومنهم السادة الحنفية، والصحيح أنه لا خلاف في ذلك عندهم؛ لاتفاق أهل اللغة وغيرهم على أنه نوع من السمك، وكل أنواع السمك وأصنافه حلال بالإجماع.

اظهار أخبار متعلقة




اضافة تعليق