الرد على الزعم بأن الله يستلقي على العرش ويضع إحدى رجليه على الأخرى

أنس محمد الثلاثاء، 28 يناير 2020 02:45 م
الرد على الزعم بأن الله يستلقي على العرش ويضع إحدى رجليه على الأخرى




الافتراء على الله آفة بشرية جاءت منذ الأزل، لم يترك فيها البشر شيئا إلا زعموا فيه من الأكاذيب والأباطيل التي افتروا فيها على الله كذبا، جحودا وكفرانا، وبالرغم من البيان الإلهي لحقيقة هذه الأكاذيب، إلا أن الإنسان تمادى في هذا الكفر والجحود، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

اظهار أخبار متعلقة



ومن أكثر من افترى على الله كذبا هم اليهود، وقد رد الله تعالى على اليهود بقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾
[ق: 38]، حينما زعم اليهود أن الله أصابه التعب بعد أن خلق السماوات والأرض .

فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنَّ اليهود أتت النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فسألته عن خلق السماوات والأرض. فقال: «خَلَقَ اللهُ الأرضَ يَومَ الأحَد والإثنَينِ، وخَلَقَ الجِبالَ يومَ الثُّلاثاءِ وما فيهِنَّ مِن مَنافِعَ، وخَلَقَ يومَ الأربَعاءِ الشَّجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمرانَ والخَرابَ، فهَذِه أربَعةٌ»، ثمَّ قال: «﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ • وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 9، 10]؛ -لِمَن سألَ-». قال: «وخَلَقَ يَومَ الخَمِيسِ السَّماءَ، وخَلَقَ يَومَ الجُمعةِ النُّجُومَ والشَّمسَ والقَمَرَ والمَلائِكةَ إلى ثَلاثِ ساعاتٍ بَقِيَت مِنه؛ فخَلَقَ في أَوَّلِ ساعةٍ مِن هذه الثَّلاثةِ الآجالَ حينَ يَمُوتُ مَن ماتَ، وفي الثَّانِيةِ ألقى الآفةَ على كُلِّ شَيءٍ مِمَّا يَنتَفِعُ بِه النَّاسُ، وفي الثَّالِثةِ خلقَ آدَمَ وأَسكَنَه الجَنَّةَ، وأَمَرَ إبلِيسَ بالسُّجُودِ لَه، وأَخرَجَه مِنها في آخِرِ ساعةٍ»، قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: «ثمَّ استَوى على العَرش، قالوا: قد أصبتَ لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم غضبًا شديدًا، فنزل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ • فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: 38، 39]. رواه ابن جرير وغيره في "التفسير" والحاكم في "المستدرك" وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات".

ونزلت الآية ردًّا على اليهود في افترائهم على الله سبحانه ونسبتهم الراحةَ إليه تعالى يوم السبت له شواهد أخرى تقويه
ونزلت الآية ردًّا على اليهود في افترائهم على الله سبحانه ونسبتهم الراحةَ إليه تعالى يوم السبت له شواهد أخرى تقويه
، وبذلك قال جماعة من السلف؛ كعكرمة وقتادة والكلبي، وعلى ذلك تضافر المفسرون.

قال الإمام القرطبي في "تفسيره": [قال قتادة والكلبي: هذه الآية نزلت في يهود المدينة؛ زعموا أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام: أولها الأحد، وآخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت؛ فجعلوه يوم راحة، فأكذبهم الله تعالى في ذلك] اهـ.

الزعم بأن الله يستلقي على العرش

ومن بين هذه المزاعم التي زعمتها اليهود، وتفتري بها على الله كذبا، الزعم أن الله تعالى يستلقي على العرش وأنه وضع إحدى رجلَيه على الأخرى؛ فإن ذلك مظهر من مظاهر الاستراحة مِن التعب بعد العمل الشاق.

ردود العلماء

قال الإمام النسفي في "تفسيره": [قيل: نزلت في اليهود -لُعِنَت- تكذيبًا لقولهم: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيامٍ أولها الأحد وآخرها الجمعة، واستراح يوم السبت واستلقى على العرش، وقالوا: إنَّ الذي وقع من التشبيه في هذه الأمة إنما وقع من اليهود، ومنهم أُخِذ، وأنكر اليهود التربيع في الجلوس وزعموا أنه جلس تلك الجِلسة يوم السبت] اهـ.

وقال الإمام البيضاوي في "تفسيره": [﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾: مِن تعب وإعياء، وهو رد لِما زعمت اليهود مِن أنه تعالى بدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة، واستراح يوم السبت واستلقى على العرش] اهـ.

وقال الإمام أبو حيان في "البحر المحيط" عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: 64]: [إن كانوا أرادوا الجارحة فهو مناسب مذهبهم؛ إذ هو التجسيم، زعموا أن ربهم أبيضُ الرأس واللحية، قاعدٌ على كرسي، وزعموا أنه فرغ مِن خلق السماوات والأرض يوم الجمعة، واستلقى على ظهره واضعًا إحدى رجليه على الأخرى للاستراحة، وردَّ الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: 33]، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: 38]] اهـ.

وقال الشيخ الخطيب الشربيني في تفسيره "السراج المنير": [قال الكَلبِيُّ في هذه الآية وفي نظيرها في سورة الأنعام: إنها نزلت في جماعة مِن اليهود؛ مالك بن الصيف، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وغيرهم؛ حيث قالوا: إنَّ الله تعالى لما فرغ مِن خلق السماوات والأرض وأجناس خلقها استلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى، فنزلت هذه الآية تكذيبًا لهم، ونزل قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾] اهـ.

وتقول دار الإفتاء المصرية إن هذا الزعم ورد التصريح به -رفع إحدى الرِّجلين على الأخرى- عند اليهود عند الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" في روايةٍ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظها: قالوا: ثم مه؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الله أعلم». قالوا: أخبرنا عن يوم السبت. قال: «الله أعلم». قالوا: لكنا نعلم؛ ثم رفع إحدى رِجليه على الأخرى فاستراح، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سبحان الله». فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ • فَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾.

فأما الخبر الذي يرويه ابن أبي عاصم في "السُّنَّة" والطبراني في "المعجم الكبير" والبيهقي في "الأسماء والصفات" مِن طريق عُبَيدِ بن حُنَينٍ، قال: "بينا أَنا جالِسٌ إذ جاءَني قَتادةُ بن النُّعمانِ، فقال لي: انطَلِق بنا يا ابن حُنَين إلى أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ فإنِّي قد أُخبِرتُ أَنَّه قد اشتَكى، فانطَلَقنا إلى أَبِي سَعِيدٍ، فوَجَدناه مُستَلقِيًا رافِعًا رِجلَه اليُمنى على اليُسرى، فسَلَّمنا وجَلَسنا، فرَفَعَ قَتادةُ بن النُّعمانِ يَدَه إلى رِجلِ أَبِي سَعِيدٍ فقَرَصَها قَرصةً شَدِيدةً، فقالَ أَبُو سَعِيدٍ: سُبحانَ اللهِ يا ابنَ آدَمَ، لقد أَوجَعتنِي، فقالَ لَه: ذلكَ أَرَدتُ، فقال: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، قالَ: «إنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ لَمَّا قَضى خَلقَه استَلقى فوَضَعَ إحدى رِجلَيه على الأُخرى، وقال: لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِن خَلقِي أَن يَفعَلَ هذا». فقالَ أَبُو سَعِيدٍ: لا جَرَمَ، واللهِ لا أَفعَلُه أَبَدًا".

وأكدت دار الإفتاء المصرية أن هذا الخبر خبرٌ منكرٌ وباطل إسنادًا ومتنًا،
وأكدت دار الإفتاء المصرية أن هذا الخبر خبرٌ منكرٌ وباطل إسنادًا ومتنًا،
وقد رد العلماء على مَن صحَّحَ هذا الخبر الباطل -وممَّنْ صحَّحَه أبو محمد الخلال الذي نقل عنه أبو يعلى الحنبلي في "إبطال التأويلات" أنه قال: هذا حديث إسناده كلهم ثقات، وهم مع ثقتهم شرط الصحيحين مسلم والبخاري-، وبينوا أنَّ هذا كلامٌ مجانب للصواب، ولا يلزم مِن كون الشيخين ذكرا أحد الرواة في صحيحيهما أن يكون كلُّ خبر رواه هذا الراوي على شرطهما، وأثبتوا أنَّ هذا الخبر متلَقًّى عن اليهود، وأنه مخالفٌ لصحيح المنقول وصريح المعقول؛ قال الإمام الحافظ البيهقي في "الأسماء والصفات": فهذا حديث منكر، ولم أكتبه إلا مِن هذا الوجه، وفليح بن سليمان -الذي انفرد برواية هذا الحديث- مع كونه مِن شرط البخاري ومسلم فلم يخرجا حديثه هذا في الصحيح، وهو عند بعض الحفاظ غير محتج به، ثم نقل عن يحيى بن معين أنه قال: فليح بن سليمان لا يُحتَجُّ بحديثه، وقال أيضًا: فليح ضعيف، وعن النسائي أنه قال: فليح بن سليمان ليس بالقوي، ثم قال الإمام البيهقي: فإذا كان فليح بن سليمان المدني مختلَفًا في جواز الاحتجاج به عند الحفاظ لم يثبت بروايته مثلُ هذا الأمر العظيم.

قال الإمام البيهقي: وفيه علة أخرى؛ وهي أن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وصلى عليه عمر، وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة، وله خمس وسبعون سنة في قول الواقدي وابن بُكَير، فتكون روايته عن قتادة منقطعة، وقول الراوي: "وانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد" لا يرجع إلى عبيد بن حنين، وإنما يرجع إلى مَن أرسله عنه، ونحن لا نعرفه، فلا نقبل المراسيل في الأحكام، فكيف في هذا الأمر العظيم؟ ثم إن صح طريقه يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدَّث به عن بعض أهل الكتاب على طريق الإنكار فلم يَفهَم عنه قتادة بن النعمان إنكارَه.

 ثم روى عن عبد الله بن عروة بن الزبير أن الزبير بن العوام رضي الله عنه سمع رجلًا يحدث حديثًا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ثم روى عن عبد الله بن عروة بن الزبير أن الزبير بن العوام رضي الله عنه سمع رجلًا يحدث حديثًا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
، فاستمع الزبير له، حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له الزبير: أنتَ سمعتَ هذا مِن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال الرجل: نعم، قال: هذا وأشباهه مما يمنعنا أن نحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قد لعمري سمعتُ هذا من رسول الله صلى الله عليه آله وسلم وأنا يومئذٍ حاضر، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابتدأ هذا الحديث فحدَّثَناه عن رجل مِن أهل الكتاب حدَّثه إياه، فجئتَ أنتَ يومئذٍ بعد أن قَضى صدرَ الحديث وذَكَر الرجلَ الذي مِن أهل الكتاب، فظننتَ أنه مِن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وأمَّا ما جاء في هذا الخبر مِن أنَّ ذلك هو علة النهي عن وضع إحدى الرِّجلَينِ على الأخرى فهو كلام باطل اتفق السلف على إنكاره وأنه مأخوذ عن اليهود، بل كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلس هذه الجِلسة إنكارًا لهذا الأمر، وممن صرَّح من السلف ببطلان ذلك وأنه متلقًّى عن اليهود: الحسن البصري وسعيد بن جُبَير والزهري وأبو مِجلَز وأبو سِنان الشيباني، واستدل العلماء بِما رُوِي في الصحيحين مِن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لذلك، وحملوا النهي الوارد في "صحيح مسلم" وغيره عن ذلك على مخافة انكشاف العورة، فإذا أُمِن الانكشاف جاز ذلك عند الجميع كما قال الإمام البيهقي.

فروى الإمام إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن أبي مِجلَزٍ لاحِق بن حُمَيد السَّدُوسي قال: "إنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه استلقى في حائط من حيطان المدينة فوضع إحدى رجليه على الأخرى، وكان اليهود تفتري على الله عز وجل يقولون: إن ربنا تبارك وتعالى فرغ مِن الخلق يوم السبت ثم تَرَوَّح، فقال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: 38]، فكان أقوام يكرهون أن يضع إحدى رجليه على الأخرى، حتى صنع عمر رضي الله عنه". قال الحافظ ابن حجر في "إتحاف الخِيَرة": رواته ثقات.

وقد ذكر غير واحد مِن التابعين أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود: إنَّ الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع، منهم: عكرمة وقتادة.

وهذا يدل على أن الحديث المرفوع المروي في ذلك لا أصل لرفعه، وإنما هو مُتَلقًّى عن اليهود، ومَن قال إنه على شرط الشيخين فقد أخطأ، وهو مِن رواية محمد بن فليح بن سليمان، عن أبيه، عن سعيد بن الحارث، عن عبيد بن حنين: سمع قتادة بن النعمان يحدثه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعنى قول أبي مجلز، وفي آخره: «وقال عز وجل: إنها لا تصلح لبشر»، وعبيد بن حنينٍ قيل إنه لم يسمع من قتادة بن النعمان؛ قاله البيهقي.

اضافة تعليق