باب الرجاء لا ينقطع .. اتبع السيئة الحسنة تمحها

بقلم | محمد جمال | الخميس 30 يناير 2020 - 04:07 م

لا يمكن تصور عبد بلا ذنوب إلا من عصمه الله ولا عصمة إلا للأنبياء.. ومن ثم يلزم التعاطي مع قضية الذنوب بالأخذ والرد وليس هناك مفر من الوقوع فيها لكننا مأمورون بالمدافعة وجهاد النفس فإن ضعفت نفوسنا ووقعنا في المعصية تلزمنا التوبة.

أحاديث كثيرة رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤكد على اهمية التوبة منزلتها وعدم الاستسلام للمعاصي منها ما روي عن أبي هُرَيْرةَ قالَ: سَمِعْتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ عبْداً أصابَ ذَنْباً -وَرُبَّما قال: أَذْنَبَ ذَنْباً- فقال: ربِّ! أَذْنَبْتُ ذَنْباً، ورُبَّما قالَ: أصَبْتُ، فاغْفِرْ، فقالَ ربُّهُ: أَعَلِمَ عبْدي أنّ له رباً يَغْفِرُ الذَّنبَ، ويأخذُ به؟! غفرتُ لِعَبْدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصابَ ذنباً أوْ أذنب ذنباً، فقال: ربِّ أذْنبتُ أو أَصَبْتُ آخرَ، فَاغْفِرْهُ، فقالَ: أَعَلِمَ عبْدي أنَّ له رباً يَغْفِرُ الذَّنبَ، ويأخذُ به؟ غَفَرْتُ لِعَبْدي، ثُمَّ مكثَ ما شاءَ الله، ثُمَّ أَذْنبَ ذَنْباً، ورُبَّما قال: أصابَ ذَنْباً، فقال: ربِّ أَصَبْتُ، أوْ قال: أَذْنبتُ آخرَ، فاغْفِرهُ لي، فقال: أَعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يَغْفِرُ الذَّنبَ ويأخذُ به؟ غَفَرْتُ لِعَبْدي (ثلاثاً)، فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ". أخرجه البخاري.
ويوضح الحديث الشريف منزلة التوبة في قوله: "إنَّ عبْداً أصابَ ذَنْباً -وَرُبَّما قال: أَذْنَبَ ذَنْباً" هكذا على الشك كما في رواية البخاري, وفي رواية مسلم وأحمد "أذنب" من غير شك.
قال في النهاية: "أصاب أصله من الصواب, وهو ضد الخطأ, ويقال: أصاب فلان في قوله وفعله, وأصاب السهم القرطاس, إذا لم يخطئ".
وعلى هذا يكون معنى أصاب ذنبًا أنه أراد الذنب وتوجه إليه ولم يخطئ مقصده.
"فقالَ ربُّهُ: أَعَلِمَ عبْدي أنّ له رباً يَغْفِرُ الذَّنبَ، ويأخذُ به؟!" هكذا على الاستفهام كما في رواية البخاري.
وفي رواية مسلم على الإخبار "أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ".
قوله: "غفرتُ لِعَبْدي" هذا مقتضى وعد الله الذي لا يتخلف, بأن يغفر ذنب التائبين إليه في نحو قوله تعالى في الحديث القدسي: " يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ". رواه مسلم.
"ثم مكث ما شاء الله، ثم أصابَ ذنباً أوْ أذنب ذنباً" وذلك منه من غير سبق إصرار حتى تصح توبته, لأن شرطها الإقلاع عن الذنب, قوله بعد ذلك: "أذْنبتُ أو أَصَبْتُ آخرَ، فَاغْفِرْهُ لي".

اظهار أخبار متعلقة


وسواء كان هذا الآخر ذنبًا من نوع جديد, أو هو عين الذنب القديم, فإن توبته عما سلف لا تبطل, ويكتب عليه الذنب الثاني فقط, ويطلب منه تجديد التوبة له, وهذا هو مذهب أهل السنة.
قوله: "أَعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يَغْفِرُ الذَّنبَ ويأخذُ به؟ غَفَرْتُ لِعَبْدي (ثلاثاً)، فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ" وفي رواية مسلم "اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ" والمراد أنه ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك.
وليس المراد من هذه العبارة إغراء الناس على فعل المعاصي, أو التحقير من شأن الذنوب, وإنما التدليل على سعة عفو الله حيال من تابوا وأنابوا.
الدروس المستفادة من القصة:
1-العبد يذنب, والله تعالى يغفر.
ليس هناك مفر من الخطأ لكننا مأمورون بتداركه بالتوبة والرجوع إلى الله اتعلى

هذه القصة تدل على جواز صدور الذنب من العبد, ولا يعد هذا قدحًا في إيمانه, طالما أعقب ذنبه بتوبة نصوح. وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ" مسلم.
وقد يستغرب المرء هذا الكلام إذا سمعه, ولكن هذا هو مقتضى إظهار الله تعالى لصفات الكرم والحلم والغفران, فلو لم يوجد من العبد الذنب, ومن الله العفو عمن تاب وأناب لنقص بذلك طرف من صفات الألوهية, وحاش لله أن ينقص شيء من صفاته.
وهذا يدل على فضل الله الواسع في قبول التوبة عن عباده والعفو عن سيئاتهم.
2-الرجاء في الله, وليس الأمن من مكر الله.
إذا كان الإنسان يخطئ ويتعثر والرب يعفو ويتكرم –كما ذكرنا في الدرس السابق- فإن هذا من شأنه أن يفتح باب الرجاء في عفو الله أمام ما يقترفه المرء من آثام, فلا قنوط ولا يأس.
وقد عرف العلماء الرجاء بأنه: فعل المرء الطاعة وهو يرجو قبولها, فإن زلت قدمه, وتعثرت خطاه, نفض عن نفسه الغبار, وقام يضرع إلى مولاه, قارعًا سن الندم على ما اقترفت يداه.
وفي الدلالة على الجزء الأول من تعريف الرجاء –وهو فعل الطاعة- يقول الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" البقرة:218).
ويقول أيضًا: "إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ" (فاطر:29).
وفي الدلالة على الجزء الثاني من التعريف –وهو الاستغفار من الذنب- تساق القصة التي بين أيدينا وأشباهها من توجيهات القرآن بغية ترغيب الناس في عفو الله إذا أذنبوا ثم تابوا وأنابوا. وعلى هذا المعنى يحمل قول الله تعالى في هذه القصة "غَفَرْتُ لِعَبْدي فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ".
وأما أن يتصور بعض الناس في مثل هذا التوجيه أنه تحقير للذنوب, وإغراء للناس على استباحة حرمات الله تحت ستار أن الله غفار الذنوب, فإن هذا من شأنه أن يهدم الدين من أساسه, وينقض دعوة الحق التي جمعت بين الترغيب والترهيب, والإنذار والتبشير, وفي الحديث "الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ". الترمذي.

اظهار أخبار متعلقة



3-استدل القرطبي بهذا الحديث على أن تكرار الذنب –وإن كان قبيحًا في الثانية أكثر من الأولى لأنه انضاف إلى الذنب نقض التوبة- فإن التوبة أيضًا يكون العود إليها أحسن من ابتدائها, لأنه انضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم والإلحاح في سؤاله, والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواه.
ويضاف إلى ذلك أن للمعصية في نفس صاحبها إلفًا وحلاوة, فكونه يكبح جماح شهواته ويجهد نفسه في مقاومة لذاته, يجعله ينال فضل مجاهدة النفس, وعدم الاستسلام لليأس.
4-واستدل به ابن حبان في صحيحه على أن توبة المرء بعد مواقعته الذنب في كل وقت تخرجه عن حد الإصرار.
وقد سبقت الإشارة إلى أن هذا مشروط بتوافر شروط التوبة, ومنها العزم على ألا يعود, وإلا كان كالمستهزئ بربه.

اظهار أخبار متعلقة


5-استعمال لفظة "عَبْد" في هذا الحديث, وفي غيره من مواطن الامتنان والتفضل مثل قوله تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا" (الكهف:1), دليل على أن العبودية لله تعالى شرف رفيع ومقام جليل, ترنوا إلى أنظار العارفين بالله, وتتفاخر به نفوسهم على غيرهم.



موضوعات ذات صلة