ذمة المسلمين واحدة.. فما هو حكم من نقضها؟

أنس محمد الثلاثاء، 11 فبراير 2020 01:06 م
ذمة-المسلمين-واحدة..-فما-هو-حكم-من-نقضها


منَّ المقاصد العليا للإسلام التي تدخل في مرتبة العبادة والتوحيد لله عز وجل، تزكية النفس، وعمارة الأرض، فهي بمثابة الأساس الإيماني، لدعوة دائمة للتَّعايش السلمي بين الناس، فقد دعانا الإسلام إلى التعايش السلمي مع الآخرين حتى يؤدي بدوره إلى تبادل المصالح والأفكار والمنافع وتقوية العلاقات مع الآخر، وقد كان الأمر على هذا منذ فجر الإسلام بين المسلمين وغيرهم؛ حيث جعل الإسلام علاقة المسلمين ببعضهم بعضا وحتى بغيرهم قائمة على أُسس إيمانية مبنية على قيمة السلام، وبعيدة عن صفة العنف والطغيان .

اظهار أخبار متعلقة



لذلك نبه النبي صلى الله عليه وسلم على أن ذمتهم واحدة، فإذا حصل أحد على عهد من المسلمين فقد وجب صيانة هذا العهد على الأخرين
فإذا حصل أحد على عهد من المسلمين فقد وجب صيانة هذا العهد على الأخرين
، فعن علي رضي الله عنه قال: (ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم... ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدل) .

و المراد بالذمة هنا الأمان، ومعناه أنَّ أمان المسلمين للكافر صحيح، فإذا أمَّنه به أحد المسلمين، حرُم على غيره التعرُّض له، ما دام في أمان المسلم، وللأمان شروط معروفة... وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله)). معناه: من نقض أمانَ مسلم فتعرَّض لكافر أمَّنه مسلم، فلا يقبل منه صرف ولا عدل.

ويقول ابن حجر إن ذمَّة المسلمين واحدة، أي: أمانهم صحيح، فإذا أمَّن الكافرَ واحدٌ منهم حرُم على غيره التعرُّض له، أي أنَّ ذمَّة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أمَّن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمَّةً لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة، والحرَّ والعبد؛ لأنَّ المسلمين كنفس واحدة.

لذلك أوجب الإسلام على أهله الوفاء بالعهود، والشروط والمواثيق والعقود، وبأداء الأمانة ورعاية ذلك، والنهي عن الغدر، ونقض العهود، والخيانة، والتشديد على من يفعل ذلك.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته" .

أي: لا تخونوا الله في عهده، ولا تتعرَّضوا في حقِّه من ماله، ودمه، وعرضه، ولا تنقضوا عهد الله ولا تخونوه بانتهاك حقوقه، فإنَّ أي اعتداء عليه هو خيانة لله ورسوله، ونقض لعهدهما، وإهدار لكرامة الإسلام.

ومن ثم كان مفهوم التعايش من منظور الإسلام فيما يتعلق بغير المسلمين ينطلق من قاعدة عقائدية وجذور إيمانية
ومن ثم كان مفهوم التعايش من منظور الإسلام فيما يتعلق بغير المسلمين ينطلق من قاعدة عقائدية وجذور إيمانية
، كما نلاحظ أن الإسلام يولي عناية خاصة للتعايش مع الغير، خاصة اليهود والنصارى لكونهم أهل إيمان بالله عز وجل، وعلى هذا الأساس فإنَّ الإسلام بمفهومه الحضاري يستوعب كلَّ إنسانٍ ليتعايش معه، وقد طبق الصحابة رضي الله عنهم ذلك في البلاد التي قَدِموا إليها، واستطاعوا غرس هذا المفهوم بوضوح.

ولعل من أبرز صور البرِّ بأهل الكتاب ما أوجبه الله تعالى على المسلمين ورغَّبهم فيه؛ قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]، وكذلك قوله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]، فإن الأحكام الواردة في هاتين الآيتين الكريمتين، والتي تتعلق ببر أهل الكتاب، يظل العمل بمقتضاها ساريًا عبر العصور والأزمان؛ فمن المقرر أن "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".

وليس هناك أبلغ وأوفى بالقصد من أن الإسلام أحلَّ للمسلمين طعام أهل الكتاب، كما أحلَّ لهم الزواج من نسائهم؛ وهل هناك أسمى وأرقى صورة للتعايش السلمي والتواؤم الحميم، من أن يكون لأولاد المسلم أمهات وأخوال وخالات وأجداد من اليهود والنصارى؟!.


وعلى هذا فقد فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إخراج اليهود والنصارى
وعلى هذا فقد فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إخراج اليهود والنصارى
من الحجاز كان متوقفًا على نقضهم للعهود وصدور الغدر منهم، وليس عدم تواجدهم البتة فيه كتجار ومعاهدين ومستأمنين وأُجَرَاء، وإلا لَمَا تركهم الخلفاء الراشدون وأبقوهم طوال تلك المدة على تُخُومِ المدينة المنورة أُجَرَاء في خيبر، ولَمَا ترك الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه يهود خيبر في خيبر، ونصارى نجران في نجران، ومجوس هَجَر في هَجَر، ولم يُخرج منهم إلا يهود خيبر لَمَّا نقضوا العهد وتعدَّوا على ابنه عبد الله، فزحزحهم إلى تيماء، أما نصارى نجران فقد أجلاهم الفاروق لما أخلفوا شرط الصلح الذي صالحهم عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين شرط عليهم عدم التعامل بالربا، وأبقى يهود اليمن فهم متعايشون فيها إلى الآن، كما أبقى مجوس الأحساء المشركين الذين تعايشوا مع المسلمين ثم أسلموا بعد ذلك.

وسمح أيضًا للرَّقيق من المشركين أن يسكنوا المدينة حتى إن عمر  رضي الله تعالى عنه استشهد على يد مجوسي منهم، ومع ذلك لم يأمر بإخراجهم، ولم يخرجهم مَنْ أتى بعده من الخلفاء رضي الله تعالى عنهم.

اضافة تعليق