"رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير".. دعاء "موسى" الذي جنى ثماره في يوم واحد

عاصم إسماعيل الأربعاء، 12 فبراير 2020 09:40 ص
85086428_2490543084544629_2896684574744510464_n


في زمن كان يقطع فيه الناس أسفارهم بالأسابيع وربما بالشهور، كان السفر يمثل "قطعة من العذاب" كما يقال، هذا لمن يملك راحلة، فما بالك من لا يملك وسيلة للتنقل والحركة سوى قدمه، التي يسير عليها، ويقطع المسافات البعيدة حتى يصل إلى وجهته.

فعندما خرج مصر خائفًا، كان خروجه منها للمرة الأولى، وكان يخشى أن يلحقه أحد من قوم فرعون، لم يكن يعرف في أي طريق يسير، ولا لأي وجهة يتحرك، كان أكثر ما يقلقه الخوف من أن يكون أحد يتبعه، فكان يلتفت وراءه، حتى يطمئن، إلى أن وصل في نهاية المطاف إلى "مدين"، بعد أن بلغ به الجهد، وأضناه الجوع والمشقة، من رحلة طويلة استمرت لعدة أيام، قيل إنه لم يذق فيها طعامًا.

اظهار أخبار متعلقة



شهامة موسى
وعلى الرغم من حالته هذه التي تجعل أي إنسان لا يفكر سوى في البحث عن الراحة
وعلى الرغم من حالته هذه التي تجعل أي إنسان لا يفكر سوى في البحث عن الراحة
، لكنه قدم نموذجًا عظيمًا في الشهامة، حين تقدم ليساعد امرأتين، لم يعرفهما من قبل، لكنه وجدهما يقفان بعيدًا عن البئر، حتى لا يزاحمان الرجال، فأخذ منهما الوعاء، وسقى لهما، وأظهر بأسًا شديدًا، حين أزاح حجرًا على رأس البئر، لا يقوى عليه سبعة من الرجال، وهو على ما به من ضعف.

لو أن إنسانًا آخر لالتمس لنفسه الأعذار، ولأوجد المبررات لعدم مساعدة المرأتين، لكنها أخلاق المروءة والشهامة، وكأن الله تعالى يسوق لنا القصة في القرآن، حتى نحذو حذو، ونتخلق بخلقه، فما أحوجنا إلى هذا الخلق العظيم، في المواصلات العامة، أو في الشارع، أو في أي مكان نمد فيه يد المساعدة لفتاة، من غير أن يكون لذلك هدف آخر سوى مساعدتها ابتغاء رضا الله، لا من أجل أن يلفت انتباه فتاة إليه، أو من أجل أن يحظى بإعجابها.

لم يفعل موسى أي شيء، سوى أنه قدم المساعدة، حتى إنه لم يسألهما عن طعام، وهو الجائع، ولم يستفسر منهما عن سبب خروجهما لملء الماء من البئر.

يقول القرآن حكاية عن ذلك: "وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ" (القصص: 23).

مكافأة الله لموسى
فماذا فعل موسى عند ذلك، تحرك بدافع المروءة والشهامة ليساعدهما من فوره
فماذا فعل موسى عند ذلك، تحرك بدافع المروءة والشهامة ليساعدهما من فوره
: "فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ" (القصص: 24)

يقول المفسرون: سأل موسى الله تعالى أن يطعمه في ذلك الوقت، وذلك لما كان عليه من الجوع والتعب وهو أكرم خلق الله تعالى عليه في ذلك الوقت، وكان لم يذق طعامًا منذ سبعة أيام.

يقول ابن عباس: سار موسى من مصر إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر, وكان حافيًا, فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه, وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه, وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع, وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه, وإنه لمحتاج إلى شق تمرة.

وكأن موسى بحاله يقول: يا ربي، إني لما أنزلت إليَّ من فضلك وغناك وخيرك فقير إلى أن تغنيني بك عمن سواك. وإنما وصف الخير بــ "المنزل"، للإشعار برفعة المعطي وهو الله سبحانه وتعالى.

لم يتوجه إلى ربه بالسؤال مباشرة، وسبحان من بحاله أعلم، لكنه أراد إظهار الخضوع والتذلل لربه، وهو يدعوه بلسان الحال، والسؤال بالحال أبلغ من السؤال بلسان المقال.

يقول سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري: "قال: إني لما أنزلت إلي من خير فقير"، ولم يقل إني إلى الخير فقير، وفي ذلك من الفائدة: أنه لو قال : إني "إلى خيرك، أو إلى الخير الفقير"، لم يتضمن أنه قد أنزل رزقه ولم يهمل أمره.

فأتى بقوله: "إني لما أنزلت إلي من خير فقير" ليدل على أنه واثق بالله، عالم بالله لا ينساه، فكأنه يقول: رب إني أعلم أنك لا تهمل أمري، ولا أمر شيء مما خلقت، وإنك قد أنزلت رزقي، فسق لي ما أنزلت لي، كيف تشاء على ما تشاء محفوفا بإحسانك، مقرونا بامتنانك.

 فكان في ذلك فائدتان:
فائدة الطلب، وفائدة الاعتراف بأن الحق سبحانه وتعالى، قد أنزل رزقه، ولكنه أبهم وقته، وسببه، وواسطته، ليقع اضطرار العبد، ومع الاضطرار تكون الإجابة، لقوله تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه"، ولو تعين السبب والوقت والوسائط، لم يقع للعباد الاضطرار الذي وجوده عند ابهامها؛ فسبحان الإله الحكيم، والقادر العليم".

ما ضاع معروف يفعله إنسان، فلم تتأخر الإجابة من الله، بل سرعان ما استجاب له، وليس هناك أكثر ما يتمناه الغريب من أن يجد مأوى له، وأن يجده مستقره وسكنه في زوجة له، وطعامًا يتغذى منه.

زواج موسى
ما فعله موسى كان أعظم ما يقدمه شاب لفتاة، وهو إظهار الخلق الكريم، وهو وإن لم يكن له مقصدًا آخر من وراء عمله النبيل
ما فعله موسى كان أعظم ما يقدمه شاب لفتاة، وهو إظهار الخلق الكريم، وهو وإن لم يكن له مقصدًا آخر من وراء عمله النبيل

، لكن شهامته كانت لافتة إلى حد أن أحد هاتين الفتاتين طلبت من أبيها أن يستأجره، لما رأت فيه من حسن خلق وأمانة.

فبعد أن عادت الفتاتان إلى أبيهما – ويقال إنه شعيب عليه السلام وهو أقرب الآراء - يقال: إنه استنكر سرعة رجوعهما، فأخبرتاه بما كان من أمر موسى عليه السلام. فأمر إحداهما، أن تذهب إليه فتدعوه: "فجاءته إحداهما تمشي على استحياء"، لا تتكسر في مشيتها، كما نشاهد الآن من بعض الفتيات، وعرضت عليه الآن: "قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا"، وكأنها بذلك تريد أن تزيل من رأسه أي ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها.

وقيل إن الفتاة كانت في طريقها تسير وراء موسى وتلقى الحجر من أمامه، حتى تدله على الطريق، حياءً منها وخجلاً، "فلما جاءه وقص عليه القصص"، وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه، قال له: "لا تخف نجوت من القوم الظالمين".


ثم عرض عليه أن يتزوج من ابنته، وهذا من السنن المنسية الآن، إذ قلما تجد أحدهم يعرض على شاب معجب بخلقه وطباعه أن يتزوج من ابنته، أو أخته، فلا يعيبها هذا، ما دام كريم الخلق، طيب الأصل: "قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ" (القصص: 27).

 

أرأيتم كيف حقق الله تعالى الخير لموسى ببركة دعوته، ولنبل مقصده، رزقها فتاة صالحة، حيية، كريمة، وهل هناك خير أفضل من أن يرزق الرجل زوجة صالحة، لتكون له خير معينة في الحياة، يستأمنها على عرضه، وعلى شئون بيته.

وهذه رسالة عظيمة لكل شاب أن يحسن العمل، فلا يشرك مع الله أحد في أمر يقوم به ابتغاء الأجر والمثوبة منه، فيكافئه على عمله بما يستحق أن يكافئه به، فكن شهمًا، خلوقًا مع أي فتاة، تعرفها، أو لا تعرفها، انظر إليها على أنها أخت لك قبل أي شيء، لا تبتغي من مساعدتك لها أي أمر دنيوي، فالجزاء من الله عظيم لكل امرئ شهم خلوق.

 

ويوصي الدكتور عمرو خالد، الداعية الإسلامي بالدعاء بهذا الدعاء القرآني: "رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير" كل يوم مائة مرة سواء على السبحة أو في سجودك، واذكر حاجتك في الدعاء سواء عمل أو زواج أو طلب الذرية وغيرها من كل أمور الحياة، ولا تستح من أن تدعو الله ولو بطلب جديد كل يوم فلن تكون طماعاً، ولكنك بدعائك وطلبك الجديد كأنك تشكر الله على استجابته لدعائك السابق .

 وأنه كلما استشعرت فقرك إلى الله وذهبت إليه بتذللك وفقرك يمدك بعزه وغناه، وقل له يا غني من للفقير إلا أنت يغنيك، وقل له يا عزيز من للذليل إلا أنت يعزك، قل له يا قوي من للضعيف إلا أنت يقويك.

 

 

 

 

اضافة تعليق