لماذا حذر القرآن الرجال والنساء معًا من "السخرية.. وهل لذلك أسبابه؟.. "الشعراوي" يجيب

الخميس، 13 فبراير 2020 03:26 م


"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الحجرات: 11)

يقول العلامة الشيخ محمد متولي الشعراوي:

اظهار أخبار متعلقة



 نلاحظ هنا أن القرآن وجَّه النهي إلى القوم مرة، وإلى النساء مرة، وخَصَّ كُلاًّ منهما بنهي، ذلك لأن كلمة قوم لا تُقال إلا للرجال، لأنهم هم الذين يقومون على شئون الأسرة، أما المرأة فليس لها قيامٌ إلا على بيتها، يقول الشاعر:
وَمَا أدْري وَلْستُ إخَالُ أدْري         أقوْمٌ آلُ حِصْن أمْ نِسَاءُ

 

إذن: القوم تُقال للنساء وفي آية أخرى قال تعالى: {  ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ... } [النساء: 34] البعض يفهم من كلمة { قَوَّٰمُونَ } أنها للقهر وللضرب، أبداً، بل الرجال قوَّامون على النساء. يعني: يقومون على رعايتهن وتدبير أمورهن.

لذلك نقول للمرأة (ست بيت) فكأن الرجل هو الخادم الراعي لها، ونحن نقول: فلان قائم بهذا الأمر. يعني: يتولى العمل الشاقَّ فيه. تذكرون في قصة سيدنا آدم لما أسكنه اللهُ الجنةَ هو وزوجه، وحدثتْ من آدم المخالفة لأمر الله، قال تعالى: {  فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ } [طه: 117] هذا خطاب لآدم وحواء.

والقاعدة أن يقول (فتشقيا) بالتثنية، لكن قال { فَتَشْقَىٰ } أي: آدم وحده، لأن مهمة الكدح والشقاء وتحمُّل مسئولة الأسرة للرجل فقط، اما المرأة فهي للبيت ولها دور فيه ودور هام يملأ كلَّ لحظة في حياتها، لكن ماذا نفعل وهُنَّ يُردْنَ أنْ يشقيْنَ مع الرجال؟

والنهي عن السخرية في هذه الآية له سببٌ في الرجال، وله سببٌ في النساء: " فيُروى أن ثابت بن قيس دخل على مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الصفَّ الأول قد اكتمل، وأراد أنْ يجلس في الصف الأول لأنه كان ثقيل السمع، فجاء إلى رجل من ضعفاء القوم وقال له: تزحزح فلم يتزحزح، فقال له: منْ أنت؟ قال: فلان، قال: ابن فلانة؟ وكانت لها سيرة سيئة بين الناس، وسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من قال ابن فلانة؟ قال: أنا يا رسول الله، فقال: انظر في مجلسنا فنظر فيه، فقال له: ماذا رأيتَ؟ قال: رأيت الأسود والأبيض والأحمر. قال: أفضلكم عند الله أتقاكم ".

ثم لم ينس الرجل الذي قيل له تفسح فلم يتفسح، ونزل في حقِّه قوله تعالى:
{  إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَالِسِ فَٱفْسَحُواْ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ... }
[المجادلة: 11].

ويُروَى أن السيدة أم سلمة كانت قصيرة، وفي مرة أصابها وجع في رجلها فربطتها بقطعة من القماش، وكان فيها بقية تتدلَّى على الأرض تجرُّها خلفها، فرأتها على هذا الحال السيدة عائشة والسيدة حفصة. فقالت إحداهن للأخرى: تمشي ولها ذيل كذيل الكلب. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية.

لذلك يقول الحق سبحانه في يوم القيامة: " جعلت نسباً، وجعلتم نسباً، فجعلتُ أكرمكم عند الله أتقاكم فأبْيتم وقُلْتم: أكرمنا فلان ابن فلان، فاليوم - أي يوم القيامة - أرفع نسبي وأضَعُ أنسابكم ".

ودخل رجل أعرج على أحدهم، فراح ينظر إليه نظرة سخرية لعرجته، ففهم الأعرجُ قصده، فقال له: أتعيب الصَّنعة أم تعقيب الصانع؟ فأفحمه حتى ندم على سُوء أدبه معه، وقال: والله لوددتُ عندها أنْ أكون أنا مثله وهو مثلي.

والحق سبحانه وتعالى حينما ينهانا عن السخرية، إنما يريد المساواة بين جميع خَلْقه، فالخَلْق جميعاً خَلْقه وصنعته وعبيده، وليس فيهم من هو ابن الله، ولا مَنْ بينه وبين الله قرابة، فلِمَ إذن يسخر بعضنا من بعض؟

إياك والسخرية من الناس مهما كانوا أقلّ منك، عليك إنْ رأيت عيباً في دين أو خُلق أنْ تُقوِّمه وتُصلح من شأنه ما استطعت.

وإذا كان العيبُ في الخَلْق، وفيما لا دخْلَ للمخلوق فيه فتأدَّبْ مع الخالق، والله لو علمتم ما جعله الله للمؤوف - يعني: مَنْ به آفة - لتمنيتم جميعاً أنْ تكونوا مؤافين، فإن الله تعالى ليس له ولد، بل وزَّع أسبابَ فضله على عباده، فإنْ أخذ من واحد منهم شيئاً فقد عوَّضه خيراً منه.

والسخرية والاستهزاء لا يكونان إلا من إنسان عَلا في شيء أمام إنسان نقص في هذا الشيء كأن يسخر الغنيُّ من الفقير، أو القوي من الضعيف، أو سليم التكوين من المعاق.. وهذا السلوك نتيجة الغفلة عن ميزان التفاضل بين الخلق جميعاً، ألا وهو التقوى.

وقلنا: إنك لو نظرتَ في الوجود كله لوجدتَ فيه قضية عادلة، هي أن كل إنسان منَّا، مجموع نعم الله عليه تساوي مجموع أيِّ إنسان آخر، لأن الخالق سبحانه وزَّع فضله على عباده لكن هذا أخذ 100% في العقل وهذا أخذ 100% في الصحة لكن المجموع في النهاية متساوٍ.

ذلك لأن الله تعالى لا يريد نسخاً مكررة من البشر، إنما يريدنا متفاوتين في المواهب لتستقيم بنا حركة الحياة وتتكامل ويرتبط البشر ببعض ارتباط حاجة، لذلك قلنا إن الباشا قد يحتاج إلى عامل المجاري.

 

 

اضافة تعليق