تخرجها لله أم لذل المحتاجين إليها؟.. العائد في صدقته كالكلب

بقلم | محمد جمال | الاثنين 17 فبراير 2020 - 10:56 ص



امتلك النبي صلى الله عليه وسلم من البلاغة ما أعجز عنه البشر في الوصف والتحليل والتشريح الصحيح للنفس البشرية، وما ينفعها، فكانت لغة النبي صلى الله عليه وسلم موجزة وبليغة في اعتمادها على التشبيه التمثيلي الذي يقرب الصورة للمتلقي، ويفتح لها قلبه وعقله.

ومن أفضل ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم، الراجع عن صدقته غلا وبخلا، بعدما صادف الفاروق عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حادث حدث له– قَالَ فيه: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ؟فَقَالَ: "لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ". ومن أفضل ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم، الراجع عن صدقته غلا وبخلا،
ومن أفضل ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم، الراجع عن صدقته غلا وبخلا،


يحذر النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف، العائد في صدقته أو زكاته أو هبته، لأن الهبة من الله تبارك وتعالى تفضل وامتنان، ومن العبد تبرع وإحسان، ولولا توفيق الرب ما تبرع الإنسان.

فها هو عمر بن الخطاب يحمل رجلاً على فرس ليجاهد عليه في سبيل الله، وقد وهبه له، فأضاعه الرجل، فظن أنه يبيعه برخص الثمن لأمارات بدت عليه، فاستشار النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في استرداده بالثمن أو بغير ثمن، فيشير عليه النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ألا يفعل هذا ولا ذاك، وأعلمه أن مثل الراجع في هبته أو صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يرجع في قيئه، مبالغة في تنفيره عن العود في ما أخرجه من ماله هبة أو صدقة.

فربما نساعد بعض الناس بشراء بعض الأدوية لهم، بناءً على طلب منهم لحاجتهم إليها، ثم نفاجأ بهم أنهم قد يذهبون إلى إحدى الصيدليات لبيع هذا الدواء، بثمن بخس، الأمر الذي يغضبنا كثيرًا، ونبدأ في توعدهم بعدم التصدق عليهم مرة أخرى.

ولو تفحصنا الأمر لوجدنا إمكانية أن يكون الفقر أو الحاجة الشديدة وراء تضحية هذا الشخص ببيع دوائه من أجل سد رمق أبنائه الصغار أو سداد دين عليه، وربما فعله بعضهم إثما وعدوانا، ولكن في نهاية الأمر لا ينبغي كما أمر النبي أن نرجع عن الصدقة، خاصة وأن هناك إمكانية أن يكون المرء مجبور على هذا لحاجة شديدة عليه أشد من مرضه وحاجته للدواء.

ولا ندري هل كان ذلك عن عمد أو عن فقر، وليس هذا هو المهم، بل المهم كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم هو أن يبقى الفرس محتفظاً بقوته وسرعته، فلابد أن يعني به صاحبه أو ينزل عنه لمن يعني به.

 ففكر عمر في أمر هذا الفرس، وظن ظنًا قويًا أن الرجل قد يبيع الفرس لشدو فقره أو لعدم معرفته بتدبير علفه واختيار الأنسب له من الأطعمة، وهذا الظن في محله؛ لأن القرائن تشهد بذلك، ولكن ماذا يفعل، إنه لابد أن يرد الأمر إلى من أجرى الله الحق على قلبه ولسانه.

فقال له النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : "لَا تَبْتَعْهُ" أي: لا تطلب شراءه منه؛ فذلك يشبه الرجوع في الهبة أو الصدقة، وربما يبيعه له بأرخص الأثمان، حياء منه، وربما يتنازل عنه من غير ثمن؛ تعففاً. وأصحاب النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هم خيرة المتعففين.

ونهاه أن يعوج في صدقته، لا بالشراء ولا بأي حيلة من الحيل، فقد سد عليه أبواب الرجوع كلها، ونفره منه بالمثل الذي ضربه، وهو مثل مقزز منتزع من أبشع حالات الكلب.

وذهب جمهور العلماء إلى حرمة الرجوع في الهبة إذا كانت بلا عوض، إلا ما كان من الوالد لولده، فإنه يجوز له أن يستردها منه ما لم يكن قد تصرف فيها، أو زادت عنده زيادة كبيرة، أو استدان بسببها أو تزوج؛ فإن الناس لم يزوجوه أو لم يسلفوه إلا لما حصل عنده من الهبة السخية، ولا شك أن في استردادها منه حينئذ ضرر عليه وعلى من أسلفه أو زوجه، وضرر على من تزوجته.وذهب جمهور العلماء إلى حرمة الرجوع في الهبة إذا كانت بلا عوض، إلا ما كان من الوالد لولده
وذهب جمهور العلماء إلى حرمة الرجوع في الهبة إذا كانت بلا عوض، إلا ما كان من الوالد لولده


والأصل في الهبة أن لا يرجع فيها الواهب على من وهبها له، ولكن لما كان للوالد في مال ولده شبهة حق جوز له المالكية ومن وافقهم رجوعه فيها بالشروط المتقدمة.

 وعن ابن عمر وابن عباس النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ فَيَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ رَجَعَ فِي قَيْئِهِ".

 أما إذا كان الواهب قد وهب أخاه هبة ليثيبه عليها، أي ليعطيه بدلها، فلم يعطه شيئاً يرضاه، فإنه يجوز له حينئذ أن يرجع في هبته عند أكثر أهل العلم؛ لما يعطه شيئاً يرضاه، فإنه يجوز له حينئذ أن يرجع في هبته عند أكثر أهل العلم؛ لما أخرجه مالك عن عمر أنه قال: "من وهب هبة يرجو ثوابها فهي رد على صاحبها ما لم يثب عليها".

وأخرج ابن حزم عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال:   "الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا".

 فإذا أعطى رجل شيئاً على سبيل الهبة وهو متوجه إلى البيت الحرام مثلاً في نظير شيء يقوم مقام هبته يأتيه به من الأرض المقدسة، ولم يفعل – جاز له أن يسترد منه هبته، وإن لم يشترط عليه ذلك، إذا كان هناك عرف يدل عليه، فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، والعرف يقوم مقام الشرط عند أكثر أهل العلم، ويسمى هذا النوع من الهبات هبة الثواب، أو هبة العوض، والأولى أن تسمى هدية.

أما الصدقة فلا خوف بين العلماء في حرمة استردادها تحت أي ظرف من الظروف؛ فقد خرجت عن ملك المتصدق لوجه الله تعالى.

اظهار أخبار متعلقة



موضوعات ذات صلة