"رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوراثين".. ادع ربك بالمستحيل يكن ممكنًا

بقلم | fathy | الخميس 27 فبراير 2020 - 11:31 ص

النفس البشرية فطرت على حب إنجاب الولد، فما من إنسان إلا ويتمنى أن يكون له ولد من نسله يكون له سند في الحياة، وبقاءً لنسله بعد الممات، ومما أودعه الله في قلبه من رحمة، أن الأب – أي أب - لا يتمنى أحد أن يكون هناك من هو أفضل منه مكانة ومنزلة إلا ابنه.

اظهار أخبار متعلقة



لكن هناك من قد يُحرم هذه النعمة، فيرضى بقضاء الله فيه، ويستسلم لحكمه، بينما هناك من يطرق كل الأبواب، آخذًا بالأسباب من أجل أن يحقق حلم الأبوة، وأن يرزق الذرية، وهو أمر لا يُنكر عليه، مادام بطريقة ووسيلة مشروعة، خاصة وأن كثيرًا ممن يعانون مشاكل تعوق الإنجاب قد يجدون الحل في الأدوية والعلاجات الحديثة. 

القرآن يرد على معايرة قريش للنبي

 

حتى الأنبياء وهم أكثر الناس كمالاً وإيمانًا، كانت فطرتهم مثل سائر البشر تتوق إلى أن يكون لهم ذرية

حتى الأنبياء وهم أكثر الناس كمالاً وإيمانًا، كانت فطرتهم مثل سائر البشر تتوق إلى أن يكون لهم ذرية
، وقد عيرت قريش النبي صلى الله عليه وسلم لعدم إنجابه الولد، فحزن لكلامهم، وجاءهم الرد الصاعق في القرآن، والمبشر له ببلوغ دعوة الإسلام الآفاق، وبقاء ذكره في الأولين والآخرين، بينما من آذوه بهذا الكلام هم من انقطع ذكرهم. يقول تعالى: "إِنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَر فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَك هُوَ الْأَبْتَر".

وكان للنبي من الأود سبعة جميعهم من السيدة خديجة – رضي الله عنها – (القاسم، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء) عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، وجميع أولاده ماتوا في حياته، عدا السيدة فاطمة الزهراء، التي كانت أول أهل بيته لحوقًا به، (وتذكر الأحاديث والسيرة أنه بكى عند وفاة ابنه إبراهيم الذي توفي صغيرًا، ولم يكن بكاء جزع أو قنوط، وعندما سأله الصحابة قال إنه بكاء رحمة).

وقد أنجبت السيدة فاطمة من الإمام علي أربعة أولاد، هم: الحسن، الحسين، وأم كلثوم، زينب. ومن هذا الفرع العظيم يمتد نسله الشريف إلى يوم القيامة بإذن الله.

 

رزق مريم.. ودعاء زكريا

 

سيدنا زكريا عليه السلام دعا ربه بأن يرزقه الله الولد

سيدنا زكريا عليه السلام دعا ربه بأن يرزقه الله الولد
، كما حكى القرآن عنه: "وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ".

فقد كبر زكريا في السن ووهن عظمه، ولم ينجب، فلما رأى من عجيب رزق الله للسيدة مريم، التي كان يكفلها ويوفر لها كل ما تحتاج إليه، وذلك عندما وجد عندها طعامًا لم يأت به، فبادرها بالسؤال متعجبًا: "قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا؟"، أجابته على الفور في ثقة ووضوح: "قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ".

وكأنها تدله على الطريق، فهو وإن كان يعرفه تمام المعرفة، إلا أن إجابتها له لم تجعله يتردد للحظة واحدة في أن يلجـأ إلى الله بلسان الحال، يرجو منه أن يرزقه الله ولدًا: "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ"، فما رآه لديها وجعله متعجبًا كان أبلغ دليل على أن الله إذا أراد حقق للعبد ما يريده، حتى وإن انعدمت الأسباب المادية التي تقوده إلى ذلك، لكنها قدرة الحق، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

لم يكن يريد الولد كما يتمنى البعض الآن من أجل غرض دنيوي، حتى يرث ما سيتركه من أموال من بعد مماته، لكن ذلك كان لغاية أعظم وأسمى، فبعد أن بين لربه في إقباله عليه، ما هو عليه من حال وضعف، وكون امرأته عاقرًا، وفي سن انقطع عنها ما يؤدي إلى الإنجاب، خاطب ربه قائلاً: "رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ".

يقول "الغزالي" في شرح الأسماء الحسنى: "الوارث هو الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك. وذلك هو الله سبحانه، إذ هو الباقي بعد فناء خلقه، وإليه مرجع كل شيء ومصيره".

سرعة الإجابة.. درس عظيم لكل البشر

فجاءت زكريا البشرى من ربه، وجاءه الرد سريعًا من خالقه: "فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ
فجاءت زكريا البشرى من ربه، وجاءه الرد سريعًا من خالقه: "فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ
وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ".

وكأن الله إذ يجيب ليحيي مسألته يقول له، بل ولسائر البشر أجمعين: لا تتأخروا عن الدعاء إلي، وسؤالي حاجتكم، مهما ظننتم أنها مستحيلة: "قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً".

 هنا تزاح الأسباب جانبًا ونتعلق برب الأسباب، إذا كان الأمر مستحيلاً في قانون البشر، فإنه ممكن تمامًا، وسهل يسير في قانون رب البشر، خلقك من عدم، من لا شيء أيعجزه أن يعطيك الولد من صلبك، حاشا لله، وهو وحده القادر على ذلك، ولا أحد سواه.

مع قدرة الله على تحقيق ذلك بدون سبب، أو مبرر، إلا أنه يذكر كيف أن الخير الذي يفعله الإنسان هو أفضل ما ينفعه، إن في دنياه، أو في أخراه، فهو نافع له في كل الأحوال، وهذا يتمثل في قوله عن يحيى وزوجته "إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ".

تفاءل.. فلا يضيع خير عند الله

 

فيا من يتعلق أملك في الله، رجاء أن يرزقك ذرية صالحة، أصلح ما بينك وبين الله، لا تمل من فعل الخير

فيا من يتعلق أملك في الله، رجاء أن يرزقك ذرية صالحة، أصلح ما بينك وبين الله، لا تمل من فعل الخير
، فهو أعظم ما تتقرب به إليه، لأن فلسفة الخير تقوم في الأساس على العطاء، العطاء بكل أشكاله وصوره، ماديًا كان، أو معنويًا، وما دمت أنت على حالك هذه، فالله أكرم من أن يرد يدًا تعطي، ويخيب ظن قلب واثق فيه.

لا تيأس، ولا تضجر، واعلم أن كل شيء متعلق بكلمة من الله "كن" "فيكون"، لا تستعصي عليه مسألة، ولا ينقص من خزائن عطائه شيء، فاطلب من الله ما تظن أنه "مستحيل"، وكن على يقين تام في إجابته لك، فعلى قدر يقينك تأتيك الإجابة منه سبحانه.

لا تقل: أنا كبرت في السن، ولا أستطيع الإنجاب، لا تقل: إن زوجتي بها مرض لا يسمح لها بالحمل، وإن الأطباء يقولون بأنه لا أمل تمامًا في الإنجاب، صحيح أننا مأمورون بالأخذ بالأسباب، لكن قبل ذلك مأمورون بأن نثق في رب الأسباب، وأنه قادر على كل شيء.

ويقول الدكتور عمرو خالد، إن هذا الدعاء "رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ" لكل إنسان محروم من الذرية ومن الصحبة ومن لمة الأسرة ومن شمل العائلة، فالله تعلى استجاب لدعاء نبيه زكريا مباشرة فقال عز وجل(فاستجبنا له ووهبنا له يحيى) والفاء تدل على السرعة، وهذا الدعاء يحتاج من المسلم الثقة وحسن الظن بالله وهو يدعو بهذا الدعاء، ويقين بأن الله سيستجيب له، ولذلك اختتم سيدنا زكريا دعائه بالقول (ولم أكن بدعائك ربي شقيًا).



اقرأ أيضاً