في صراع مع ابنك وحائر في تربيته؟.. "روشتة علاج" وضعها "لقمان" بختم إلهي

بقلم | محمد جمال | الجمعة 28 فبراير 2020 - 02:45 م

 تبدأ التربية في الإسلام من خلال الاهتمام من قبل المربي بحال رعيته في كل صغيرة وكبيرة، وأول ما يبدأ به المربي، أن ينشئ أسرته على النشأة السليمة الموافقة للفطرة التي خلقه الله عليها، وأن يعالج انحرافه مبكرا، وأن يتابع شأنه كله، ويضعه على الطريق المستقيم، وأن يشرح له مكائد الشيطان، والسبل التي يسلكها معه لتبديل فطرته، والابتعاد به عن اللهن لذلك من أهم أنواع التربية هي التربية الايمانية، وهي التنشئة على الإيمان بالله تعالى، وتقوية اليقين به.

وكشف الله سبحانه وتعالى لعباده ما يعينهم على تربية أبنائهم على لسان نبيه لقمان في نصيحته لابنه، فقال تعالى (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)لقمان.

ولقد شهد الله عز وجل لنبيه لقمان بالحكمة، وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (لقمان: 12)، لتدلل الآية الكريمة على أن وصايا لقمان في التربية هي فتح إلهي، وروشتة موثقة من فوق سبع سموات، تكشف لك الطريق السليم في التعامل مع أبنائك، وكيف تقومهم، دون عناء وبنصائح لا يتخللها الباطل، ولا تحتمل الفشل.

واشتملت نصائح لقمان الحكيم لابنه على أصول التربية السليمة، فكانت صورة صادقة، خالية من الشبهة، بعيدة عن الأعراض المصلحية، تحمل في طياتها كل معاني الإصلاح، ومرتكزات التربية السليمة، وهي تدل على العمق التربوي، كما تدل على المعرفة العميقة للنفس البشرية، وما يدور فيها من خواطر وأحاسيس، وما ينازعها من قضايا ونوازع.واشتملت نصائح لقمان الحكيم لابنه على أصول التربية السليمة، فكانت صورة صادقة، خالية من الشبهة،
واشتملت نصائح لقمان الحكيم لابنه على أصول التربية السليمة، فكانت صورة صادقة، خالية من الشبهة،


 ما هي الأسس التي اشتملت عليها نصائح لقمان التربوية؟

1/الاعتزاز بالانتماء إلى الله وتوحيده ونبذ الشرك بكل صوره وألوانه، {يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان: 13)، وقد دلل لقمان لابنه على حقيقة التوحيد، ولم يقل لقمان كلامه دون برهنة أو تدليل، حتى ولو كان التوجيه والإرشاد لابنه المطيع، حيث احترم لقمان عقل ابنه وعرف أن المبدأ لا يؤخذ إلا بالتدليل، والتصور لا يحمل إلا بالاقتناع، والدليل، وإلا سيكون كلامه لا محل له، ويتبخر من أول وهلة تتعرض فيها للضغط والمواجهة، أو للنبذ والاستهزاء.

 ليدلنا لقمان على أن التربية تقوم على الإقناع والوعي، ونبذ الإكراه المشين، والتلقين المبهم، لأن الفرد الموجه الذي يقع تحت سيطرة الإكراه الفكري أو التلقينات الضاغطة هو فرد ضائع مشتت لا يحمل من العقل ألا اسمه.

 وكان يربي لقمان ابنه عند قاعدة التوحيد على أسسها الصحيحة السليمة، ومن أبرز أسسها، الاعتقاد أيضا بأن الله صاحب السلطان والقدرة، ومالك الأمر كله، وقيوم السموات والأرض، يأتي بأصغر شيء في الوجود كما يأتي بأكبره، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.


2/نصح لقمان ابنه بمراقبة الله سبحانه في الأفعال والأقوال، {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}.

فالإنسان بطبعه يميل إلى الخوف والمراقبة، وفي حالة غيابهما يفقد معنى إنسانيته ليكون مجرما في حياته، وهذه الفطرة الربانية لابد لها من أن تسير في مسارها الصحيح لتحقق الحياة معناها المطلوب.

والمراقبة تكون على الضمائر لا على الأجساد ، حتى لا يدفع جهاز الرقابة لفساد الوجدان، واختلال الشعور.

 3/ إقامة الصلاة {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ} وهذه تربية متكاملة، روحية جسدية، أخلاقية اجتماعية، وتربية علمية ثقافية،  فالصلاة تهذب الروح، وتقوي الجسد، وتنمي الفكر، وتزيل الفوارق، وتعلم الصبر، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتمحو الذنوب، وتغسل الخطايا، وتزيد الصلة بالله، وتؤكد العبودية، وتغذي الولاء، وتغرس الخشوع، وتثبت التقوى، وتنير البصائر.

4/الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ}.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو نقل الفرد من واقعه المحدود إلى واقع الآخرين ليعيش حياتهم وقضاياهم غير التربية التي تعنى بذات الفرد للفرد ذاته، فتلك تربية قويمة أصيلة، وهذه تربية ناقصة عرجاء.والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو نقل الفرد من واقعه المحدود إلى واقع الآخرين
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو نقل الفرد من واقعه المحدود إلى واقع الآخرين


وكأن لقمان يشير غالى أن التربية السليمة للفرد تلك التي تنقل الفرد من العيش لنفسه إلى العيش للآخرين، والتضحية بنفسه لا لنفسه وإنما لأنفس الآخرين، وشتان بين فرد يتعب المجتمع ليحيا هو، وبين فرد يتعب نفسه ليريح الآخرين، مع أن القيام بالإصلاح بين الناس، وتحمل تكاليف ذلك الإصلاح، فيه حفظ للفرد من الانجراف في تيارات المنكر، ورياح الخراب، وفيه ثبات لشخصيته على معتقده المتبنى.

5/العزيمة والصبر {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (لقمان: 17).

فالقيام بالدعوة إلى الله مهمة عظيمة، لا يتحملها إلا الصابرون، ولا يلقاها إلا أصحاب العزائم، ذلك أن الحياة بطبيعتها مليئة بالمشاق والمصاعب، وأن تبني قضايا الناس والإصلاح بينهم على اختلاف أمزجتهم أمر شاق.

ويصور لقمان لابنه الأذى أو الابتلاء أنه واقع قد أصابه لأنه عبر عنه بالفعل الماضي «أصابك» ولم يقل: واصبر على ما يصيبك، فليس له خيار في ذلك إلا الصبر والعزيمة، وهو بهذا الأسلوب يلزم نفس المخاطب بالقبول في قضية تتردد النفس فيها، بل وقد يصيبها الخور، أو يحل فيها الوهن.

6/العزة والتواضع، {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (لقمان: 18).

ينصح لقمان بتربية الفرد على العزة والاستعلاء على الدنايا مع التواضع والإيناس، وهي توازن بين كل جوانب الحياة، وتنشئ الفرد ليعيش متواضعا في حياته من غير مذلة، وعزيزا فيها من غير كبر.

7/الاعتدال في المشية والحركة، {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}.

الحركة تعبير عن الشخصية، فصاحب الحركة الطائشة إنسان طائش مخدوع مغرور متكبر، وصاحب الحركة المتماوتة إنسان ذليل متماوت أبله، وصاحب الحركة المعتدلة إنسان معتدل متزن رصين، قد ترجم كل معاني الاعتدال والاتزان المحتفظ في نفسه إلى واقعه المنظور.

8/أدب المحادثة، {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ} (لقمان: 19).

فالاعتدال في المحادثة لا يقل أهمية عن الاعتدال في الحركة، فالصوت العالي الجهوري إيذاء للسامع ورعونة عند المتكلم، والصوت الخفيف الميت مهانة للمتكلم وتهاون بالسامع، وخير الأصوات أعدلها نطقا، وأخفضها سماعا، وأكثرها ارتياحا، وأقلها صياحا.

9/التربية بالموعظة {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ}.

10/النصيحة باللين، {يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِالله}، {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ}، {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ}.

المخاطبة بالبنوة في التربية هي طريقة الأنبياء في تربيتهم لأبنائهم، وفي تعاملهم معهم، فإبراهيم لما أراد ذبح ابنه إسماعيل ناداه {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} (الصافات: 102)، ونوح لما صعد السفينة نادى ابنه {يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكَافِرِينَ} (هود: 42)، ويعقوب مع أبنائه {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} (يوسف: 87).المخاطبة بالبنوة في التربية هي طريقة الأنبياء في تربيتهم لأبنائهم، وفي تعاملهم معهم
المخاطبة بالبنوة في التربية هي طريقة الأنبياء في تربيتهم لأبنائهم، وفي تعاملهم معهم


فالمربي الحقيقي هو من يدرك أهمية هذا النوع من التربية وخطورة التفريط فيها، ويتبع منهجا يشتمل على الأهداف والغايات والأساليب والوسائل، وآليات المتابعة والتقييم، فيعرف النشء بالله تعالى و بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ويعظمه في قلبه، و يأمره بفعل الطاعات وترك المنكرات، كل ذلك باستعمال ما يناسب عقله وسنه من طرائق وسبل تجمع بين الترغيب والترهيب، واستعمال البراهين والحجج العقلية والنقلية، فإن هو عرف ربه ، وسلك سبيل المؤمنين و ترقى في مدارج السالكين، للدعوة إلى الله ورفع راية الدين، أرشده إلى منهج الراشدين من السلف والهداة من الدعاة والمصلحين، وجنبه سبل الغلاة المنحرفين، والطغاة الظالمين.

و لا يزال يتعهده، ويجدد له بيعة التوحيد كلما أحس من المجتمع انحرافا عقديا أو عمليا أو سلوكيا، فيعقد معه مجالس الذكر، يسترد بها ساعات من عمره، كادت تضيع بين لهو ولعب، أو مراء وجدال.

اظهار أخبار متعلقة





اقرأ أيضاً