ابني انطوائي ولا يعرف التعامل مع الناس.. كيف أساعده على الخروج من عزلته؟
بقلم |
فريق التحرير |
الاربعاء 02 سبتمبر 2026 - 05:57 م
«ابني يفضل البقاء وحده، لا يتحدث كثيرًا مع الآخرين، ويتجنب المناسبات والزيارات، وعندما يجلس مع الناس يبدو مرتبكًا ولا يعرف كيف يبدأ الحديث.. أخشى أن يستمر على هذه الحال طوال حياته، فكيف أساعده؟»
شكوى تتكرر على ألسنة كثير من الآباء والأمهات، خصوصًا عندما يلاحظون أن طفلهم أو ابنهم يميل إلى العزلة، ولا يستطيع تكوين صداقات بسهولة، أو يشعر بالتوتر عند التعامل مع الآخرين.
لكن أول خطوة في التعامل مع الأمر هي عدم وضع كلمة «انطوائي» كوصمة على شخصية الابن؛ فحب الهدوء، وقلة الكلام، وتفضيل الدوائر الاجتماعية الصغيرة، كلها قد تكون سمات طبيعية في الشخصية، ولا تعني بالضرورة وجود مشكلة تحتاج إلى علاج.
لا تحاول تغيير شخصيته بالقوة
من أكثر الأخطاء التي يقع فيها الوالدان أن يحاولا دفع الابن إلى الاختلاط بصورة مفاجئة، أو إجباره على الحديث أمام الآخرين، أو مقارنته بأشقائه وأصدقائه.
عبارات مثل: «أنت لا تعرف الكلام»، و«لماذا لا تكون اجتماعيًا مثل فلان؟»، و«الناس ستضحك عليك» قد تزيد شعوره بعدم الثقة، وتجعله يخشى المواقف الاجتماعية أكثر.
الأفضل أن يشعر الابن بأن أسرته تتفهم طبيعته وتحترم مشاعره، وفي الوقت نفسه تساعده تدريجيًا على اكتساب مهارات التواصل.
ابدأ من البيت
البيت هو المكان الآمن الذي يمكن أن يتعلم فيه الابن مهارات التعامل مع الآخرين.
احرص على الحديث معه يوميًا، واسأله عن رأيه، واستمع إليه دون مقاطعة أو سخرية، وشجعه على التعبير عن مشاعره واحتياجاته.
ويمكن للوالدين تدريبه بصورة بسيطة على مهارات مثل:
إلقاء السلام والرد عليه.
النظر إلى الشخص أثناء الحديث بصورة طبيعية.
تقديم نفسه للآخرين.
طرح سؤال بسيط وبدء محادثة قصيرة.
التعبير عن رأيه بأدب.
طلب المساعدة عندما يحتاج إليها.
هذه المهارات تبدو بسيطة، لكنها تصبح أسهل بكثير مع التدريب المتكرر.
لا تبدأ بالمواقف الصعبة
إذا كان الابن يتوتر من التعامل مع الناس، فلا تبدأ بإرساله إلى مناسبة كبيرة ومزدحمة وتطالبه بأن يتحدث مع الجميع.
ابدأ بخطوات صغيرة ومتدرجة.
يمكن أن يبدأ بزيارة قريب يشعر معه بالراحة، ثم لقاء صديق واحد، ثم المشاركة في نشاط جماعي صغير، وبعد ذلك الانتقال تدريجيًا إلى مواقف اجتماعية أكبر.
الفكرة ليست أن يتحول الابن إلى شخص كثير الكلام، وإنما أن يصبح قادرًا على التواصل دون خوف أو عجز.
ساعده على اكتشاف موهبته
أحيانًا تكون المشكلة أن الابن لا يجد شيئًا مشتركًا بينه وبين الآخرين.
لذلك من المفيد إشراكه في نشاط يحبه، مثل الرياضة، أو الرسم، أو القراءة، أو البرمجة، أو العمل التطوعي، أو الأنشطة المدرسية.
وجود اهتمام مشترك يجعل تكوين العلاقات أسهل؛ لأن الحديث يبدأ تلقائيًا حول شيء يحبه الابن ويشعر بالثقة فيه.
امدح التقدم وليس النتيجة
إذا تحدث ابنك مع شخص جديد، أو شارك في نشاط، أو بادر بالسلام، فلا تقل له: «أخيرًا أصبحت اجتماعيًا».
بل امدحه على الخطوة نفسها:
«أعجبني أنك بادرت بالحديث اليوم»، أو «لاحظت أنك كنت أكثر ارتياحًا هذه المرة».
التشجيع المحدد يساعد الابن على إدراك أن قدرته على التواصل تتحسن بالفعل.
لا تتحدث نيابة عنه دائمًا
من الأخطاء التي قد تزيد اعتماد الابن على الآخرين أن يتولى الأب أو الأم الإجابة عنه في كل موقف.
إذا سأله أحد الأقارب: «كيف حالك؟»، فلا تسارع إلى الإجابة بدلًا منه. امنحه فرصة للرد، حتى لو كان جوابه قصيرًا.
وإذا كان يحتاج إلى شراء شيء، أو السؤال عن أمر، أو إجراء معاملة بسيطة، شجعه على القيام بذلك بنفسه بما يتناسب مع عمره وقدراته.
الاستقلال الاجتماعي يُبنى بالممارسة، وليس بالنصائح وحدها.
احذر من تحويل الأمر إلى معركة
لا تجعل كل تجمع عائلي اختبارًا لمدى «اجتماعية» ابنك، ولا تراقبه طوال الوقت لترى هل تحدث أم لا.
فالضغط المستمر قد يجعله أكثر توترًا، وربما يبدأ في تجنب المناسبات خوفًا من انتقاد الأسرة له.
امنحه مساحة، وكن قريبًا منه دون أن تلاحقه.
متى يحتاج الأمر إلى مساعدة متخصصة؟
ليس كل طفل هادئ أو قليل الأصدقاء بحاجة إلى متخصص. لكن ينبغي للوالدين الانتباه إذا كانت العزلة شديدة ومستمرة، أو إذا كان الابن يعاني خوفًا واضحًا من التعامل مع الناس، أو يرفض الذهاب إلى المدرسة أو المشاركة في الأنشطة بسبب الخوف، أو تتأثر دراسته وعلاقاته وحياته اليومية بصورة ملحوظة.
في هذه الحالات، قد يكون من المفيد استشارة أخصائي نفسي أو مرشد تربوي مؤهل لتقييم الأسباب ومساعدة الابن على اكتساب مهارات التعامل مع المواقف الاجتماعية.
ولا ينبغي للوالدين تشخيص الابن بأنفسهما؛ فهناك أسباب مختلفة قد تجعل الطفل أو المراهق يتجنب الآخرين، ويحتاج كل سبب إلى أسلوب مناسب في التعامل معه.
رسالة إلى كل أب وأم
تذكر أن هدف التربية ليس أن تجعل ابنك نسخة من شخصية اجتماعية صاخبة، فهناك أشخاص هادئون ينجحون في حياتهم ويقيمون علاقات عميقة ومستقرة.
المطلوب هو أن يتعلم ابنك كيف يتواصل عندما يحتاج إلى التواصل، وكيف يعبر عن نفسه، وكيف يكوّن علاقاته دون خوف أو شعور دائم بالعجز.
اقترب منه بدلًا من أن تحاصره، شجعه بدلًا من أن تقارنه، وامنحه الوقت بدلًا من أن تستعجل النتائج.
فربما لا يحتاج ابنك إلى أن «يتغير» بقدر ما يحتاج إلى أب وأم يؤمنان به، ويمسكان بيده خطوة بعد خطوة حتى يكتشف أنه قادر على الوقوف بين الناس بثقة وطمأنينة.