المتتبع لسيرة خير الآنام محمد صلى الله عليه وسلم، سيجد أنه منذ البداية وهو ذو خلق رفيع، حتى أنه قبل البعثة كان يلقب بالصادق الأمين، وحين وقع خلاف على من يضع الحجر الأسود بجوار الكعبة، لم تجد قريش خيرًا منه يفصل بينهم، ليقينهم في أنه صاحب خلق رفيع.
لذلك فإنه بعد البعثة وعلى الرغم من كل ما لاقاه من معاندة وكِبر إلا أنهم لم يكذبوه وإنما كانوا يجحدون بنزول الذكر عليه دون غيره، قال تعالى: «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» (الأنعام 33)، ومن ثمّ لو توقفنا قليلاً وتساءلنا، لماذا بالفعل لم يكذبوه وإنما جحدوا بآياته، وكيف لم يغيروا رأيهم فيه بأنه صاحب خُلق رفيع، ومع ذلك يرفضون الإيمان به؟.. والإجابة أنه لما رفع خلقه لأعلى مستويات الحُسن نال استحسان جميع أهل الأرض، ورفع الله له ذكره حتى بين المختلفين معه صلى الله عليه وسلم.
رفع الذكر
وكأن الله يريد أن يعلمنا أن رفع الذكر مقترن بحسن الخلق، قال تعالى: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) • 2 وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) • 3 الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) • 4 وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ».
فلو تتبعنا الآيات الحكيمات، سنجد أن الله عز وجل شرح صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن به نهائيًا أي بغضاء أو ضغينة أو حقد أو حسد لأحد، وإنما المودة للجميع، فلما كان ذلك -أي حَسُن خلقه- رفع الله عز وجل له ذكره بين الناس حتى قيام الساعة، فكان صلى الله عليه وسلم حريصًا على معاملة كل الناس معاملة طيبة، وطلب الخير للجميع حتى مع المختلفين معه، فقد جاء في البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ, فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ, فَقَامَا, فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ - أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ - فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ, فَقَامَ, فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ, فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا».
اقرأ أيضا:
لمن فقد أبناءه في حادثة أو غيرها.. ابشر بهذا الجزاء العظيم إن صبرت ولم تجزعتجارب عديدة
ومن ثمّ فإننا لو حاولنا تتبع سير الصالحين، سنجد أنهم عاشوا وعاشت ذكراهم بين الناس بأطيب السير، فقط لأنهم كانوا أصحاب خلق رفيع، وأنهم ساروا على درب نبيهم الأكرم صلى الله عليه وسلم في ذلك.
والمثال على ذلك سيدنا أبي بكر الذي كان يتسابق في خدمة الفقراء، حتى أن الفاروق عمر بن الخطاب قال عنه ذات يوم: «والله ما سابقت أبا بكر الصديق إلى خير قط إلا سبقني إليه»، ولمّ لا وهو الذي أنزل الله عز وجل عنه آيات تتلى إلى يوم القيامة تحمل كل معاني الخير، بل وتنتهي بوعد إلهي بأن الله بذاته العليا سيرضيه، قال تعالى: «وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ » (الزمر:33)، بل أن جميع الصحابة الكرام نزل فيهم قول الله تعالى: «وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» لذلك يعيشون الآن بيننا بأعظم السير، فقط لأنهم امتلكوا أخلاقًا حميدة رفيعة.