لماذا كان التأريخ من الهجرة .. الحدث الذي غيّر مجرى التاريخ الإسلامي؟
بقلم |
فريق التحرير |
الاثنين 22 يونيو 2026 - 05:43 م
حين نتأمل بدايات التاريخ الإسلامي نجد أن المسلمين لم يجعلوا مولد النبي صلى الله عليه وسلم بداية لتأريخهم، ولا بعثته، ولا حتى فتح مكة، وإنما اختاروا حدثًا آخر ظل علامة فارقة في مسيرة الأمة: الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة. ولم يكن هذا الاختيار مصادفة، بل جاء محملًا بالدلالات الحضارية والإيمانية والسياسية التي جعلت الهجرة نقطة التحول الكبرى في تاريخ الإسلام.
كيف بدأ التأريخ الهجري؟
في عهد عمر بن الخطاب اتسعت الدولة الإسلامية، وكثرت المكاتبات الرسمية، فظهرت الحاجة إلى نظام يؤرخ به المسلمون كتبهم ووثائقهم. وتذكر المصادر التاريخية أن الكتب كانت تصل دون تحديد واضح للسنوات، فجمع عمر الصحابة للتشاور في وضع تاريخ موحد للأمة.
طُرحت اقتراحات متعددة: أن يبدأ التأريخ من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، أو من البعثة، أو من وفاته، لكن الرأي استقر على جعل الهجرة النبوية بداية للتقويم الإسلامي.
لماذا اختيرت الهجرة تحديدًا؟
1. لأنها لحظة الانتقال من الاستضعاف إلى بناء الدولة
قبل الهجرة كان المسلمون في مكة يواجهون التضييق والأذى، أما بعد الهجرة فقد بدأت مرحلة جديدة نشأت فيها الجماعة المؤمنة على أرض مستقلة، وتأسست أول دولة للإسلام في المدينة المنورة.
لقد كانت الهجرة انتقالًا من مجرد الدعوة إلى المجتمع، ومن الإيمان الفردي إلى بناء الأمة.
2. لأن الهجرة صنعت التحول الحقيقي
كثير من الأحداث عظيمة في السيرة، لكن الهجرة كانت الحد الفاصل بين مرحلتين مختلفتين:
مرحلة الدعوة والصبر.
ومرحلة التمكين والتنظيم والانطلاق.
ولهذا رأى الصحابة أن التاريخ ينبغي أن يبدأ من اللحظة التي صار فيها للإسلام كيان ظاهر.
3. لأن الهجرة كانت عملًا يجمع الإيمان والأخذ بالأسباب
الهجرة لم تكن هروبًا من الواقع، بل نموذجًا للتخطيط المحكم؛ إعداد، ورفقة، واختيار للطريق، وثقة بالله مع بذل الأسباب.
وهذه رسالة خالدة: أن الإيمان لا يُعارض العمل، وأن التوكل لا يعني ترك السعي.
4. لأن الهجرة ليست حدثًا جغرافيًا فقط
لم تكن الهجرة انتقالًا من مكان إلى مكان، بل انتقالًا:
من الخوف إلى الأمل.
ومن التفرق إلى الوحدة.
ومن الضعف إلى البناء.
ولهذا بقي معناها ممتدًا في حياة المسلمين إلى اليوم.
ولماذا لم يبدأ التاريخ من مولد النبي أو وفاته؟
رأى الصحابة أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم حدث جليل لكنه لا يمثل بداية تكوين الأمة، كما أن جعل الوفاة بداية للتاريخ يحمل معنى الحزن والانقطاع، بينما تحمل الهجرة معنى الأمل والانطلاق والعمل.
ومن هنا جاء الاختيار معبرًا عن روح الإسلام التي تربط الزمن بالرسالة والإنجاز.
دروس معاصرة من التأريخ بالهجرة
الأمم تتقدم بالتحول والعمل لا بمجرد الأمنيات.
الأزمات قد تكون بداية مرحلة أعظم.
بناء المجتمعات يحتاج إلى رؤية وصبر وتنظيم.
الأحداث العظيمة لا تُقاس بضخامتها الآنية بل بأثرها الممتد.
خاتمة
لم يكن اختيار الهجرة بداية للتأريخ الإسلامي قرارًا إداريًا فحسب، بل كان إعلانًا لمعنى عميق: أن الأمة تُقاس بلحظات نهضتها وتحولها. ولذلك بقي التقويم الهجري شاهدًا على أن التغيير الحقيقي يبدأ حين يجتمع الإيمان مع العمل، والثقة بالله مع حسن التدبير.