لسنوات طويلة، كنا نعلم أن هناك نوعين من الكوليسترول، أحدهما جيد والآخر ضار، حيث تلعب المادة الشمعية الشبيهة بالدهون الموجودة في الدم دورًا رئيسًا في تحديد ما إذا كنا سنصاب بأمراض القلب.
ويوجد البروتين الدهني عالي الكثافة (HDL)، وهو النوع "الجيد" الذي يلتقط جزيئات الكوليسترول الزائدة في الأوعية الدموية ويرافقها إلى الكبد، حيث يتم تكسيرها وإزالتها كنفايات.
في المقابل، يوجد البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL)، والذي يلتصق بالجدران الداخلية للشرايين مكونًا ترسبات تسمى اللويحات، والتي يمكن أن تتفتت بعد ذلك وتشكل انسدادات قد تسبب أزمة قلبية أو سكتة دماغية.
لكن الأبحاث الحديثة تُظهر أن هناك نوعًا آخر على الأقل من الكوليسترول لم يسمع به معظمنا من قبل، ومع ذلك قد يكون بنفس القدر من الأهمية فيما يتعلق بصحة القلب، يُطلق عليه اسم الكوليسترول المتبقي، وهو يمثل معظم الكوليسترول المتبقي في الدم بمجرد طرح الكوليسترول عالي الكثافة (HDL) والكوليسترول منخفض الكثافة (LDL) من الإجمالي.
أضرار الكوليسترول المتبقي
وأظهرت النتائج أنه حتى لو كان لديك مستوى منخفض من الكوليسترول الضار (LDL)، فإن الكثير من هذا الكوليسترول المتبقي يمكن أن يكون ضارًا - حيث أظهرت الأبحاث الجديدة أن المستويات العالية تزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية، وفق صحيفة "ديلي ميل".
وعلى الرغم من أنه لا يتم قياسه بشكل روتيني في اختبارات الكوليسترول، إلا أن الأبحاث تشير إلى أن هذا الخطر يبدأ في الارتفاع بشكل كبير بمجرد أن تصل مستويات المتبقي إلى 1 مليمول لكل لتر من الدم.
ويُنصح بالحفاظ على مستوى الكوليسترول الضار أقل من 4 مليمول/لتر، ومستوى الكوليسترول الجيد أعلى من 1 مليمول/لتر للرجال و1.2 مليمول/لتر للنساء؛ ويُعد انخفاض مستوى الكوليسترول الجيد أكثر خطورة على النساء حيث ترتفع مستويات الكوليسترول الضار بشكل كبير بعد انقطاع الطمث. ويجب ألا يتجاوز إجمالي الكوليسترول 5 مليمول/لتر.)
والأهم من ذلك، تشير الدراسات أيضًا إلى أن الستاتينات أقل فعالية في تقليل الكوليسترول المتبقي، لأنها تستهدف الكبد بشكل أساسي لإنتاج كمية أقل من الكوليسترول الضار.
يقول كاوسيك راي، أستاذ الصحة العامة في إمبريال كوليدج لندن: "في حين أن الستاتينات تخفض مستويات الكوليسترول الضار عادةً بنسبة 50 في المائة، فإنها لا تقلل الكوليسترول المتبقي إلا بنسبة 30 في المائة تقريبًا".
لكن ما الذي يجعل الكوليسترول المتبقي مختلفًا- وماذا يمكننا أن نفعل لإبقائه تحت السيطرة إذا كان للستاتينات تأثير محدود؟
لسنوات، تم تجاهل الكوليسترول المتبقي باعتباره لاعبًا ثانويًا في لعبة أمراض القلب، لكن العديد من الدراسات الحديثة وجدت أن الأمر أكثر أهمية بكثير مما كان يدركه أي شخص.
ويتكون هذا النوع من الكوليسترول عندما يتم تكسير نوع آخر من الدهون في مجرى الدم - الدهون الثلاثية - لاستخدامه كوقود للجسم أو تخزينه في الخلايا الدهنية.
يتم نقل الدهون الثلاثية في جزيئات تسمى البروتينات الدهنية.
تتكون نسبة ضئيلة - أقل من 5% - من كل من هذه البروتينات الدهنية من الكوليسترول، الذي يُطرح في مجرى الدم بعد إزالة المكون الرئيس (الدهون الثلاثية). هذا الجزء المطروح هو الكوليسترول المتبقي.
الإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية
تكمن المشكلة في أنه على الرغم من أن نسبة الكوليسترول في كل جزيء من الدهون الثلاثية منخفضة، إلا أن جزيئات البروتين الدهني ثلاثي الجليسريد أكبر بأربع مرات على الأقل من جزيئات البروتين الدهني منخفض الكثافة أو البروتين الدهني عالي الكثافة.
لذا، قد تكون كمية الكوليسترول "المتبقي" كبيرة. فقد وجدت دراسة رائدة أجرتها جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة عام 2021، وشملت 17000 بالغ، أن ارتفاع مستوى الكوليسترول المتبقي يزيد من خطر الإصابة بالأزمات القلبية والسكتات الدماغية بنسبة تصل إلى 50%، حتى لدى الأشخاص ذوي مستويات الكوليسترول الضار المنخفضة، وذلك وفقًا لنتائج نُشرت في المجلة الأوروبية لأمراض القلب.
ووجدت دراسة حديثة أجرتها الأكاديمية الصينية للعلوم الطبية في بكين، وشملت أكثر من 40 ألف شخص، أن أولئك الذين لديهم مستويات مرتفعة من الكوليسترول المتبقي لديهم ثلاثة أضعاف خطر الإصابة بأمة نوبة قلبية أو سكتة دماغية على مدى عشر سنوات مقارنة بالمشاركين الذين لديهم قراءات أقل بكثير.
يبدو أنه يُسبب ضررًا بطريقة مشابهة للكوليسترول الضار، وذلك عن طريق التسبب في ترسبات والتهاب في الشرايين. وما يُثير قلق بعض الخبراء هو أنه على الرغم من أن فحوصات الكوليسترول الروتينية قد تُظهر سلامة المرضى، إلا أنهم قد يظلون مُعرضين لخطر خفي بسبب ارتفاع مستويات الكوليسترول المتبقي.
وجدت دراسة أجراها مستشفى تشانغي العام في سنغافورة عام 2024، ونُشرت في مجلة "فرونتيرز إن كارديفاسكولار ميديسن"، أن 11% من أولئك الذين لديهم درجات LDL "صحية" لديهم مستويات خطيرة محتملة من الكوليسترول المتبقي الذي لم يتم اكتشافه أثناء الفحوصات.
ويقول البروفيسور راي: "وهناك بعض الأدلة على أنه بمجرد دخول جزيئات الكوليسترول المتبقية إلى جدار الأوعية الدموية، فإنها تصبح أكثر خطورة وأكثر ضراوة (من LDL)، مما يؤدي إلى المزيد من الالتهاب".
كيف يمكنك معرفة ما إذا كان مستوى الكوليسترول المتبقي لديك مرتفعًا؟
على الرغم من أن اختبارات الكوليسترول القياسية لا تقيسه، إلا أنها تسجل مستويات الدهون الثلاثية. بما أن الدهون الثلاثية هي "ناقلات" الكوليسترول المتبقي، فإن هذا يمكن أن يعطي بعض المؤشرات حول ما إذا كان من المحتمل أن يكون مشكلة.
وتقول مؤسسة القلب البريطانية إن مستوى الدهون الثلاثية الصحي يكون أقل من 1.7 مليمول/لتر لاختبار الصيام (أي عدم تناول الطعام أو الشراب لمدة عشر ساعات على الأقل) أو أقل من 2.3 مليمول/لتر لاختبار عدم الصيام.
يقول البروفيسور راي: "ينبغي على المرضى إيلاء المزيد من الاهتمام لمستويات الدهون الثلاثية لديهم، وينبغي على الأطباء العامين أن يقولوا إنه إذا كانت مستويات الدهون الثلاثية لديهم مرتفعة، فقد يعني ذلك أنهم بحاجة إلى علاج أكثر فعالية - إما بجرعات أعلى من الستاتينات، أو دواء ثانٍ إضافي لخفض قراءاتهم قدر الإمكان".
ويشير إلى أن التغييرات الغذائية يمكن أن تساعد في تقليل الدهون الثلاثية، ولكنها تتضمن الحد من تناول الكربوهيدرات والدهون المشبعة إلى ما لا يزيد عن 10 إلى 15 بالمائة من إجمالي استهلاك الطعام.