كثير منا يخطئ، ثم يمسك نفسه عن الاعتذار، وقد يصل الأمر حد أنه يقول (على جثتي أن اعتذر له).. والحقيقة لم يعلمنا الإسلام أبدًا مثل هذه الأخلاق.. فهذا الدين السمح الحنيف علمنا أننا حين نخطيء نسرع في الاعتذار، ولا غضاضة في ذلك، ولا يقصر منك أبدًا، وإنما تكبر في أعين الناس، أنك قادر على الاعتراف بالذنب أو الخطأ، بل والاعتذار عنه..
أما الآخر الذي يرفض الاعتذار ويتصور نفسه أعلى الناس، فعليه أن يعلم أنه مهما كانت ومهما كانت مكانته، فهو ليس في مكانة ومنزلة بسيدنا أبي ذر الغفاري.. وهو من أسياد قبيلة غفار، وخرج باحثًا عن الحقيقة حتى هداه الله عز وجل إلى الإسلام، فكان من أقرب الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك حينما أخطأ، اعتذر.. ليس هذا فحسب، وإنما كان اعتذاره أقوى اعتذار في التاريخ.
أقوى اعتذار
عزيزي المتمسك بعجرفتك وترفض الاعتذار، أوتدري كيف كان الاعتذار في عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ يروى أنه ذات مرة قال سيدنا ﺃﺑﻮ ﺫﺭ لسيدنا بلال ابن رباح رضي الله عنهما، (ﺣﺘﻰ ﺃﻧﺖ ﻳﺎ ﺍﺑﻦ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﺀ ﺗﺨﻄﺌﻨﻲ؟)!.. ﻓﻘﺎﻡ ﺑﻼﻝ ﻣﺪﻫﻮﺷﺎً ﻏﻀﺒﺎﻥ ﺃﺳﻔﺎً ... ثم قال: ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻷرفعنك ﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ صل الله عليه وآله وسلم.. ﻓﺘﻐﻴﺮ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ صلى ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭ ﺳﻠﻢ ثم قال : (ﻳﺎ ﺃﺑﺎ ﺫﺭ، ﺃﻋﻴﺮﺗﻪ ﺑﺄﻣﻪ؟! ﺇﻧﻚ ﺍﻣﺮﺅ ﻓﻴك ﺟﺎﻫﻠﻴﺔ!!).. وهنا ﺒﻜﻰ ﺃﺑﻮ ﺫﺭ وقال: (ﻳﺎﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ، ﺍﺳﺘﻐﻔﺮ ﻟﻲ.. ﺛﻢ ﺧﺮﺝ ﺑﺎﻛﻴﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ).. وأتى ابو ذر ﻭﻭﺿﻊ ﺧﺪﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺮﺍﺏ .. وقال: (ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻳﺎ ﺑﻼﻝ ﻻ أﺭﻓﻊ ﺧﺪﻱ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺮﺍﺏ ﺣﺘﻰ ﺗﻄﺄﻩ ﺑﺮﺟﻠﻚ.. ﺃﻧﺖ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻭﺃﻧﺎ ﺍﻟﻤﻬﺎﻥ !!).. ﻓﺄﺧﺬ ﺑﻼﻝ ﻳﺒﻜﻲ ﻭاﻗﺘﺮﺏ ﻭﻗﺒﻞ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺨﺪ.. ﻭﻗﺎﻝ: (ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﺍﻃﺄ ﻭﺟﻬًا ﺳﺠﺪ ﻟﻠﻪ ﺳﺠﺪة ﻭﺍﺣﺪة)، ﺛﻢ ﻗﺎﻣﺎ ﻭﺗﻌﺎﻧﻘﺎ ﻭﺗﺒﺎﻛﻴﺎ.. انظر لعظمة هذه الثقافة وهذا الأدب.
، وهذه الأخلاق، من الجانبين، حينما أخطأ أبو ذر لم ينهره بلال وإنما رفع أمره لولي الأمر، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم من فوره عاد أبي ذر عن خطأه، واعتذر، وأي اعتذار، إنه أقوى وأشد اعتذار في التاريخ.
أدب الاعتذار
إذن حتى الاعتذار يجب أن يكون بأدب، لا أن تقف متباهًا بخطأك أمام الناس، وتردد بضع كلمات يبدو منها أنك اعتذرت بعضًا من شيمك.. لا.. الاعتذار أن تعترف بخطأك بالفعل، وترد لصاحب الحق مظلمته، وإلا سيقتصها منك يوم القيامة، فأيهما أحق وأسهل؟!
قال تعالى في آية كأنها أنزلت لتبين وتعلمنا أدب الاعتذار: «قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ » (الأعراف: 23)، إذن الخطأ والذنب ظلم لنفسك، والاعتذار يعيد لنفسك مكسبها، وليس خسارتها كما يشاع.