بقلم |
فريق التحرير |
الثلاثاء 20 يناير 2026 - 04:50 م
يأتي شهر شعبان كجسرٍ إيماني يصل العبد بشهر رمضان، وفيه تتجلى حكمة التدرّج في العبادة وتهيئة النفوس لموسم الطاعات. وقد كان رسول الله ﷺ يُعظّم شأن هذا الشهر، ويكثر فيه من القربات، حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت رسولَ اللهِ ﷺ استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» (متفق عليه). ومن هنا تتحدد ملامح أفضل ما يُعبد الله به في هذا الشهر المبارك.
أولًا: الإكثار من الصيام
الصيام في شعبان من أجلّ القربات وأعظمها أجرًا، فهو تدريب عملي للنفس على صيام رمضان، وتخفيف لوطأته عند قدومه. وكان ﷺ يصوم أكثر شعبان، لما في الصيام من تزكية للنفس وكسر للشهوات ورفعة للدرجات. ويُستحب صيام أيام منه دون تخصيص يوم بعينه باعتقاد خاص.
ثانيًا: كثرة الذكر والاستغفار
شعبان شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله تعالى، كما ورد في الحديث الشريف، ولذلك كان النبي ﷺ يحب أن يُرفع عمله وهو صائم. وأفضل ما يهيئ العبد عمله عند الرفع: دوام الذكر، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ، وتسبيح الله وحمده وتكبيره، فهي عبادات يسيرة عظيمة الأثر، تُحيي القلوب وتطهر الصحائف.
ثالثًا: تلاوة القرآن وتدبره
من أفضل العبادات في شعبان الإقبال على القرآن الكريم قراءةً وتدبرًا، ليكون العبد على صلة قوية بكتاب الله قبل دخول رمضان. وكان السلف الصالح يعدّون شعبان شهر القرّاء، يكثرون فيه من التلاوة حتى يألف القلب سماع القرآن ويخشع له.
رابعًا: الصدقة والإحسان إلى الناس
الصدقة في شعبان لها أثر بالغ في تزكية النفس، وإشاعة الرحمة بين الناس، وهي من العبادات التي تجمع بين القرب من الله ونفع الخلق. ويشمل الإحسان كل وجوه الخير؛ من تفريج كربة، أو إطعام محتاج، أو صلة رحم، أو إدخال سرور على قلب مسلم.
خامسًا: إصلاح القلوب وترك الخصومات
من أعظم ما يُتقرب به إلى الله في شعبان تطهير القلوب من الأحقاد والبغضاء، وترك الخصومات، والمسارعة إلى العفو والصفح. فقد ورد أن الله يطّلع على خلقه فيغفر للمستغفرين، إلا لمشرك أو مشاحن، مما يؤكد أن سلامة الصدر عبادة قلبية لا تقل شأنًا عن العبادات الظاهرة.
سادسًا: الإكثار من الدعاء
الدعاء في شعبان باب عظيم من أبواب القرب، يسأل فيه العبد ربه العفو والقبول، وحسن الاستعداد لرمضان. ومن أجمل الأدعية أن يسأل الله بلاغ رمضان بقلب سليم ونية صادقة وعمل مقبول.
خلاصة القول
شهر شعبان ليس شهر غفلة، بل هو شهر الإعداد الروحي والتربوي، وأفضل ما يُعبد الله به فيه هو الجمع بين العبادات الظاهرة والباطنة: صيام يزكي النفس، وذكر يحيي القلب، وقرآن ينير الطريق، وصدقة تصلح المجتمع، وقلب سليم يرفع العمل ويباركه الله. فمن أحسن استقبال شعبان، أحسن الله له استقبال رمضان، وبلّغه منازل القبول والرضوان.