تحتل مسألة الأخلاق مساحة كبيرة من تعاليم ديننا الحنيف حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم حصر فيها بعثته حين قال إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
ولا يمكن ان نعتبر الدي بلا اخلاق او نعتبر مسألة الأخلاق مسألة فرعية من الكماليات لكنها من أصل الدين فدين كل لا يتجزأ.
علاقة الأخلاق بالعقيدة:
من جانبه يبين د. عادل هندي الأستاذ بجامعة الأزهر أن علينا نعلم أن العقيدة الصحيحة هي التي تربط المسلم بسلوك حسن مع الله ومع نفسه ومع الناس، ففي الحديث مثلا: كما عند ابن ماجه في سننه والحديث حسن، من حديث أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ». وفي رواية البخاري الصحيحة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» ... إنها منظومة الأخلاق المترتبة على العقيدة السليمة لمن أراد أن يتعلم عقيدة صحيحة!!
ويضيف أن النبي صلى الله عليه وسلّم قد ربط بين العقيدة وبين الإحسان إلى الجار، وإكرام الضيف، والنطق بالحق بدلا من الباطل، أو الصمت على الأقل عن الباطل والشرّ. هذه هي العقيدة الصحيحة، وليست عبارة عن حفظ متون العقيدة وكتبها المدوّنة.
علاقة الأخلاق بالعبادة:
وعن علاقة العبادة بالأخلاق يوضح "هندي" أنهلا يخفى عليكم أيها المستمعون الأكارم، أنه ما مِن عبادة في الدين -في القرآن- إلا ووجدناها صاحبة علاقة وثيقة بخلق مّا، وللدليل على ذلك إليك الآتي:
1. الصلاة، يقول تعالى: "اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون" [العنكبوت: 45].
2. الصوم، يقو سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة: 183].
3. الزكاة، يقول عزّ وجلّ: "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا" [التوبة: 103].
4. الحج، يقول المولى الكريم: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ" [البقرة: 197].
وهكذا كل العبادات، التي نتعبّد بها لها أثر أخلاقيّ في حياة المسلمين، ومن لم يجد هذا الأثر يجب أن يراجع عبادته مع الله تعالى، ونيّته وانتسابه إلى الدين.
وتعالَوْا بنا لأقص عليكم قصة امرأتين، إحداهن: ما كان يسبقها أحد في صلاة وصيام وقيام، غير أنها دخلت النار في النهاية، ما السبب؟ وامرأة أخرى كانت قليلة الصلاة والصيام والصدقة، غير أنها دخلت الجنّة، ما السبب؟
لنذهب إلى رسول الله، فنسأله يا رسول الله: لماذا دخلت هذه المرأة النار؟ ولماذا دخلت الأخرى الجنّة؟ .. فيجيب النبي كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده -(15/ 421، 422)- عن أبي هريرة قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: "هِيَ فِي النَّارِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: "هِيَ فِي الْجَنَّةِ". فلم ينفع صاحبة الخلق السيئ صومها وقيامها، وأكمل الخلق الحسن عمل المرأة قليلة الصلاة والصيام.