كثير من الناس خلال الفترة الأخيرة، اتخذ من نفسه مرجعًا ليجيب على أسئلة الناس، يتعامل كأنه (عالم) بكل بواطن الأمور، إذا سئل في الدين يجيب، وإذا سئل في علم ما لا يتردد، وإذا سئل في الصحة أو الفلسفة فإنه يصول ويجول، ربما كثير من هؤلاء تكون ردودهم غير متقنة، ولكن البعض يكون أكثر (حيطة)، فتراه يجيب من حيث لا يقع في خطأ، فيظل (يلف ويدور)، كأنه الأعلم بهذه المسألة دون غيره، وينسى هذا وذاك، أنه من أجاب بغير علم ولا هدى، ضل وأضل.
وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن مهدي: «كنا عند مالك فجاءه رجل، فقال يا أبا عبد الله: جئتك من مسيرة ستة أشهر.. حملني أهل بلدي مسألة أسألك عنها، فسأل الرجل عن المسألة، فقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: ( لا أدري)، فبهت الرجل! وقال الرجل: أي شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم؟ قال: تقول لهم: قال مالك: لا أدري».
الرسول نفسه يسأل!
أغرب ما قد تسمعه أذنك أن تعلم أن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم بذاته ومكانته عند الله عز وجل، ورغم أنه كان لا ينطق عن الهوى، إلا أنه كان أحيانًا يسئل فينتظر الإجابة من الله.. تخيل.. الرسول الأعظم لا يجيب إلا بعد أن يعرف الإجابة، فكيف بنا نتجرأ على الإجابة في كل شيء، وكأننا أهلا لكل علوم الدنيا والآخرة.. إذ يروى أن إعرابيًا تخطى الصفوف ووصل إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وسأله: كم قضى موسى لدى شعيب.
وعلى الرغم أن السؤال إجابته بين الثماني والعشر سنين، إلا أن رسول الله رفض الإجابة، وقال للإعرابي: انتظر حتى أسأل أخي جبريل.. ولم يرد عليه إلا بعد أن أبلغه جبريل أنه قضى 10 سنين.. تخيل أن السؤال ليس بالمهم، فما يضير أو ينفع الإعرابي كم قضى موسى لدى شعيب؟.. لكن الإجابة لابد أن تكون موثقة، وليس بالتوقع أو بالتخيل والتصور.. هكذا علمنا الإسلام.
نهي إلهي
القرآن الكريم، تضمن آية عظيمة، يمر عليها كثير من الناس ولا يقفون أمامها ولو قليلا، رغم أنه تتضمن نهي إلهي تام عن الخوض في أي إجابة دون علم أو دراية مسبقة، لأن ذلك نتيجته سيئة لأبعد درجات السوء على المجتمع ككل، قال تعالى: «وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » (النحل: 116، 117).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوسا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
اقرأ أيضا:
لماذا يستحب كثرة الصيام في شعبان.. لم تسمعها من قبل؟