تمر المساجد في شهر رمضان الكريم هذا العام بظروف استثنائية، فتحت معها أبوابها للمصلين العاكفين على أداء صلاة التروايح، بعد عام كامل من غلقها، حيث تم إغلاق المساجد في رمضان الماضي نتيجة انتشار فيروس كورونا، واستمرار انتشار الوباء حتى عامنا الحالي، الأمر الذي أدى لصناع القرار بفتحها مع وضع بعض الإجراءات الاحترازية المشددة لمنع انتشار الوباء.
وللمساجد علينا حقوق في هذا الشهر الكريم، على رأسها الالتزام بهذه الإجراءات الاحترازية، والحرص على التباعد الاجتماعي بين المصلين للحفاظ على أرواحهم، حيث نصت القرارات التي اتخذتها الحكومة على الأتي:
ارتداء الكمامة
اصطحاب المصلى الشخصى
مراعاة مسافات التباعد الاجتماعى
استمرار عدم فتح دورات المياه
استمرار عدم فتح الأضرحة
استمرار عدم السماح بأي مناسبات اجتماعية بالمساجد أو ملحقاتها
استمرار قصر صلاة الجنازة على الأماكن المفتوحة فى غير أوقات الصلاة الراتبة
عدم السماح بإقامة أية موائد إفطار أو نحوه لا بالمساجد ولا بساحاتها ولا بملحقاتها
عدم السماح بالاعتكاف أو صلاة التهجد بالمساجد
السماح بصلاة القيام مع مراعاة التخفيف بما لا يتجاوز نصف ساعة دون إلقاء أي دروس أو خواطر دعوية
فتح مصليات السيدات بالمساجد الكبرى والجامعة لصلاة العشاء والتراويح لهن
قصر العمل بالمساجد على الصلاة وخطبة الجمعة بما لا يزيد على عشر دقائق في الخطبة على النحو المتبع
استمرار فتح المساجد قبل الصلاة بعشر دقائق وغلقها بعد الصلاة بما فى ذلك صلاة التراويح
استمرار تعليق جميع الأنشطة الدعوية من الدروس والقوافل وحلقات التحفيظ وخلافه
وقد ورد في الحديث القدسي: (قال اللَّهُ تعالى إنَّ بُيوتي في أرضيَ المساجِدُ وإنَّ زُوَّاري فيها عُمَّارُها فطوبى لعبدٍ تَطَهَّرَ في بَيتِهِ ثمَّ زارَني في بيتي فحَقٌّ على الْمَزورِ أن يُكرِمَ زائِرَهُ).
وقال الله سُبحانه وتعالى: (في بيوتٍ أَذِنَ الله أن تُرفعَ ويُذكَرَ فيها اسمُهُ يُسَبِّحُ له فيها بالغُدُوِّ والآصالِ * رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقامِ الصَّلاة وإيتاء الزَّكاةِ) سورة النور، 36-37.
فالمسجد هو مكان العبودية الخالصة لله سُبحانه وتعالى، حيثُ قال الله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) سورة الجن، 18. فبالتالي أحد أهم أدوار المسجد هي:(2) العِبادة، وأداء الصّلوات الخمسة، والجُمعة وسائر الصلوات الجماعيّة، كصلاة العيد، والصلاة الكسوف، وغير ذلك، بعيدا عن أي شيئ يؤدي للخروج عن المقصد الشرعي للمسجد، كأن يقوم البعض بالاجتماع من أجل الطعام أو الشراب أو الاستحمام او النوم، الامر الذي يساعد على انتشار فيروس كورونا بين المصلين.
ومن المعلوم أن المسجد ليس مكانا للعبادة فقط فقد كان منارة لنشر الثقافة العامّة بين النّاس، ونشر الفضائل والقِيم الصالحة. وتوثيق الروابط الاجتماعية، والتواصل بين أفراد المُجتمع، وقد كان قديمًا مكانًا لإعلان الزواج، وإيواء الفقراء. وكان المسجد في العهد النبوي مقرّ الحُكُم والقضاء، ومقرّ صنع القرارات، وتسيير الجيوش، واستقبال الوفود. وتربية الأطفال، وما يرافق ذلك من ترفيه لهم وألعاب.
لكن مع الظروف الاستثنائية التي نعيش فيها فقد نص الشرع على أهمية الحفاظ على الأرواح، فدرأ المفسدة و مقدم على جلب المنفعة بحسب ماتنص عليه أحكام الفقه، وبالتالي يجب تأجيل أدوار المسجد في الوقت الحالي واقتصاره على العبادة فقط بالشروط والإجراءات الاحترازية للحفاظ على سلامة المصلين.
فقد قال الله سُبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) سورة البقرة، 114.
فحقّ على المسلم أن يراعي آدابه وحقوقه، والتي يمكن تلخيصها بما يلي: إعمار المساجد يأتي في مقدّمة هذه الحقوق إعمار وبناء المساجد، وصيانة المساجد القائمة، والمداومة على تفقّد ما تحتاجه المساجد، من نظافة وكهرباء وماء، وسجّاد، وإضاءة، إلى غير ذلك. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مشجعًا على مثل هذه الأعمال: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ).
وينبغي على المسلم أن يتهيأ ويتزيّن قبل ذهابه للمسجد تطبيقًا وامتثالاً لقول الله سُبحانه وتعالى: (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) سورة الأعراف، 31.، وذلك يكون بالتطهّر والوضوء، وبأن يلبس أحسن الثياب وأنظفها، وأن يتطيّب ويتعطّر، ويحسِن ترتيب شعره، والانتباه لنظافة جواربه، وتجنّب أكل ما يؤذي رائحته كالتدخين، والثوم والبصل، فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الثُّومِ وقَالَ مَرَّةً مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ) رواه مسلم في صحيحه.
كما ينبغي أن يترك المسلم حذاءه في الأماكن المُخصّصة لذلك، وأن يزيل ما علق به من أسواخ، ويحذر أن يرفع المسلم حذاءه فوق رؤوس المُصلّين لئلا يتأذوا من ذلك. أثناء المكوث في المساجد يُستحب للمسلم أن يُصلّي ركعتين تحيّةَ المسجد وذلك قبل أن يجلس، فإن لم يستطع فليقل: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). وفي المسجد، ينبغي على المسلم أن يتجنّب رفع صوته ولو كان ذلك بتلاوة القرآن، لئلا يشوّش المصلين على بعض، فعن أبي سعيد الخُدري أنه قال: (اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ: أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ).
كما يجب تجنّب البيع والشراء داخل المساجد، وكذلك الاشتغال بأمور الدنيا، والخصومات والالبحث عن المفقودات، فقد ورد عن عبد الله بن عمرو: (أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عنْ الشراءِ والبيعِ في المسجدِ وأن تُنْشَدَ فيه ضَالّةٌ وأنْ يٌنْشَدَ فيه شِعْرٌ ونَهَى عنِ التَّحْلِقِ قبلَ الصلاةِ يومَ الجمعةِ) .